2023/11/25

سيدنا محمد ﷺ

قصة وسيرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم 

آخر الأنبياء المرسلين، بعثه الله عز وجل رحمة للعالمين وللأمة الإسلامية، ليهديها إلى نور الإسلام ولتبلغ الرسالة، وهى السيرة التى ظهرت آياتها، واشتهرت معجزاتها، وأشرقت أنوارها، وانتشرت أخبارها، وعمّت فضائلها، وطابت بكرها وأصائلها، وحسنت أوصافها، وكثر إنصافها، وجاءت فى ظلمة الضّلالة تتقّد، وما أنكر العدوّ فضائلها بل شهد: وفضائل شهد العدوّ بفضلها والفضل ما شهدت به الأعداء

نسب النبى محمد
ينتسب ﷺ إلى أشرف النسب المعروف عنهم الكرم والجود والمعاملة الحسنة وحسن الخلق، فهو من أشرف قبائل قريش.

محمد عَبْد اللَّه بْن عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ كِلاَب بْن مُرَّةَ بْنِ كَعبِ بْنِ لؤَيِّ بْنِ غالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَان بن أدد بن سود بن يعرب بن يشجب بن ثابت بن إسماعيل بن إبراهيم بن تارح وهو أزر بن ناخور بن ساروخ بن أرعواء بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن إخنوخ بن يرد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم علية السلام.

أم النبى محمد ﷺ :
آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرة بْنِ كِلَاب.
ويجتمع نسب أبيه وأمه ﷺ في جده *(كلاب).

ذكر أمهات رسول الله صلى الله عليه وسلم]

قال أبو عبد الله محمد بن سعد رحمه الله تعالى فى طبقاته الكبرى:

أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبىّ عن أبيه 

قال:

أمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، آمنة بنت وهب، بن عبد مناف، ابن زهرة، بن كلاب بن مرّة. وأمّها برّة، بنت عبد العزّى، بن عثمان، بن عبد الدّار، بن قصىّ؛ بن كلاب. وأمّها أمّ حبيب، بنت أسد، بن عبد العزّى، ابن قصىّ بن كلاب. وأمّها برّة بنت عوف، بن عبيد، بن عويج، بن عدىّ، ابن كعب، بن لؤىّ. وأمّها قلابة بنت الحارث، بن مالك، بن حباشة، بن غنم، بن لحيان، بن عادية، بن صعصعة، بن كعب، بن هند، بن طابخة، بن لحيان، بن هذيل، بن مدركة، بن الياس، بن مضر. وأمّها أميمة بنت مالك، ابن غنم بن لحيان، بن عادية، بن صعصعة. وأمّها دبّ  بنت ثعلبة، بن الحارث، ابن تميم، بن سعد، بن هذيل، بن مدركة. وأمّها عاتكة بنت غاضرة، بن حطيط، بن جشم، بن ثقيف، بن منبّه ، بن بكر، بن هوازن، بن منصور، بن عكرمة، بن خصفة، بن قيس، بن عيلان واسمه النّاس بن مضر، وأمّها ليلى بنت عوف، بن ثقيف، وأمّ وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب قيلة.

ويقال: هند بنت أبى قيلة» .

وقال ابن الكلبىّ: «كتبت للنبىّ صلى الله عليه وسلم خمسمائة أم، فما وجدت فيهنّ سفاحا، ولا شيئا مما كان من أمر الجاهلية».
وعن محمد بن علىّ بن الحسين أن النبىّ صلى الله عليه وسلم قال: «إنما خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم؛ لم يصبنى من سفاح أهل الجاهلية شىء؛ لم أخرج إلّا من طهرة والله الفعّال.

ذكر نبذة من أخبار آباء رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن بعده إلى أبيه عبد الله بن عبد المطّلب

قد تقدّم ذكر آباء رسول الله صلى الله عليه وسلم فى باب الأنساب، وذكرنا كلّ أب من آبائه وأولاده ومن أعقب منهم، وجعلنا العمدة على سرد عمود النسب الشريف على ما تقف عليه هناك فى السفر الثانى من كتابنا هذا من هذه النسخة، وسردنا النسب أيضا آنفا. وقد رأينا أن نذكر فى هذا الموضع نبدة أخرى زيادة على ذلك نذكر فيها الأسماء، والكنى، والأمّهات، وبعض الوقائع والأخبار، مما لم يتقدّم ذكره، فنقول وبالله التوفيق:

أمّا عدنان

فإليه انقطع علم أهل الأنساب حقيقة؛ لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا انتهى فى النسب إلى معدّ بن عدنان أمسك، ثم قال: «كذب النسّابون» . قال الله جلّ ثناؤه: (وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً) .

مولد رسول الله ﷺ
ولد رسولنا الجليل في يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول، من عام الفيل وتلك العام التي حاول في أبرهة الحبشى غزو مكة المكرمة، وهدم الكعبة ولكن الله بعث عليه طير الابابيل ترميهم بحجارة من سجيل وهزيمتهم، وبعد تلك الحادثة بحوالي عامين يوم ولد رسول الله و أضاء الكون بنوره.

المصدر

 كتاب نهايه الآرب فى فنون الادب

نسبه الطاهر صلى الله عليه وسلم،
وإن كنا قدّمناه مستوفى فى باب الأنساب ، فلا غنية عن سرده ههنا.

هو أبو القاسم محمد صلى الله عليه وسلم بن عبد الله، بن عبد المطّلب واسم عبد المطّلب: شيبة الحمد بن هاشم واسم هاشم عمرو بن عبد مناف [واسمه ] المغيرة بن قصىّ واسمه زيد بن كلاب، بن مرّة، بن كعب، ابن لؤىّ، بن غالب، بن فهر. وإلى فهر جمّاع قريش، ومن كان فوق فهر فليس هو بقرشىّ. وفهر هو ابن مالك، بن النّضر، بن كنانة، بن خزيمة، بن مدركة واسم مدركة عامر بن الياس، بن مضر، بن نزار، بن معدّ، بن عدنان.

روى عن ابن عباس، رضى الله عنهما، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا انتسب لم يجاوز فى نسبه معدّ بن عدنان بن أدد، ثم يمسك ويقول:

كذب النسّابون :

قال الله عز وجل: (وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً)

قال ابن عباس: لو شاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلمه لعلمه.

وعن هشام بن محمد قال : سمعت من يقول: «كان معدّ على عهد عيسى بن مريم عليه السلام» .

وقد تقدّم فى باب الأنساب، وهو الباب الرابع من القسم الأوّل من الفنّ الثانى من كتابنا هذا، فى السفر الثانى من هذه النسخة، ما اختاره الشريف أبو البركات

محمد بن أسعد بن على بن معمر الحسينىّ الجوّانىّ النسابة فى «مقدّمته بعد معدّ: بن عدنان، بن أدّ، بن أدد ، بن اليسع، بن الهميسع، بن سلامان، بن نبت، بن حمل، بن قيذار، بن إسماعيل الذبيح، بن إبراهيم الخليل، صلى الله عليهم وسلم، ابن تارح، وهو آزر، بن ناحور ، بن ساروغ، بن أرغو، ابن فالغ، بن عابر، وهو هود النبىّ عليه السلام وهو جمّاع قيس ويمن ونزار وخندف بن شالخ، بن أرفحشذ، بن سام، بن نوح عليه السلام، بن لمك، بن متّوشلخ، بن أخنوخ، وهو إدريس النبىّ عليه السلام، بن يارد، ابن مهلائيل بن قينان، بن أنوش، بن هبة الله شيث، بن أبى البشر آدم عليه السلام.

هذا ما أورده الشريف الجوّانى قال : وعليه أكثر أئمة الأنساب.

وسنزيد إن شاء الله تعالى، فى أخبار آباء رسول الله صلى الله عليه وسلم، زيادة حسنة يحتاج إلى إيرادها من عدنان فمن بعده، تقف عليها قريبا، إن شاء الله تعالى، بعد ذكرنا لأمهاته صلى الله عليه وسلم

وقد روى أنه قال: «عدنان بن أدد» . والله أعلم.

وأمّا معدّ بن عدنان، فكنيته أبو قضاعة، كنّى بولده قضاعة وهو بكره.

ومعدّ (بتحريك العين وتشديد الدال) ، وفى طىّء معد (بتسكين العين) بن مالك ابن قميئة ، وفى خثعم أيضا معد (بتسكين العين) بن الحارث، بن تميم، بن كعب، بن مالك، بن قحافة. وأمّ معدّ بن عدنان: مهدد، بنت اللهم بن جلحب الجرهميّة، وقيل فيها مهاد بنت لهم. وقيل اللهم بنت جلحب، وفى رواية خليد، بن طسم ، بن يلمع، ابن عابر، بن اسليخيا، بن لاوذ ، بن سام، بن نوح. حكاه الزّبير بن بكّار.

وذكر عبد الملك بن حبيب أنّ ولد معدّ بن عدنان سبعة عشر رجلا، درج منهم بلا عقب تسعة، وأعقب ثمانية.

وقال أبو الربيع بن سالم : ذكر الزّبير بن أبى بكر ، أن بختنصّر لمّا أمر بغزو بلاد العر ، وإدخال الجنود عليهم وقتلهم لقتلهم انبياء الله تعالى، وردّهم رسالاتهم،
أمر إرميا بن حلقيا- وكان فيما ذكر نبىّ بنى إسرائيل فى ذلك الزمان أن أئت معدّ بن عدنان الذى من ولده خاتم النبيين، واحمله معك إلى الشام، وتولّ أمره.

وقال السّهيلىّ: «أوحى الله تعالى إلى إرميا أن أحمل معدّ بن عدنان على البراق إلى أرض العراق» فإنى مستخرج من صلبه نبيّا اسمه محمد؛ فحمل معه معدّ وهو ابن اثنتى عشرة سنة، وكان مع بنى إسرائيل إلى أن كبر وتزوّج امرأة اسمها معانة» .

قال أبو الرّبيع بن سالم: «ويقال المحمول عدنان، والأوّل أكثر. قال: وفى حديث ابن عبّاس رضى الله عنهما: إن الله تعالى بعث ملكين فاحتملا معدّا، فلما رفع الله تعالى بأسه عن العرب، ردّاه إلى موضعه من تهامة، فكان بمكة ونواحيها مع أخواله من جرهم» .

وقال الزّبير: «حدّثنى علىّ بن المغيرة قال : لمّا بلغ بنو معدّ عشرين رجلا، أغاروا على عسكر موسى عليه السلام، فدعا عليهم ثلاث مرّات فقال : يا ربّ، دعوتك على قوم فلم تجبنى فيهم بشىء. قال : يا موسى، دعوت على قوم فيهم خيرتى فى آخر الزمان» .

وفى هذه الرواية ما فيها من المنافاة لما تقدّم من أنه كان مع إرميا، ومن قال إنه كان على عهد عيسى عليه السلام . والله أعلم بالصواب وإليه المرجع.

وأمّا نزار بن معدّ، فكنيته أبو إياد، وقيل أبو ربيعة. ونزار (بكسر النون) .

قال السهيلىّ: «من النّزر وهو القليل. وكان أبوه حين ولد له، ونظر إلى النور بين
عينيه، وهو نور النّبوّة الذى كان ينتقل فى الأصلاب إلى محمد صلى الله عليه وسلم فرح به فرحا شديدا، ونحر وأطعم وقال: إنّ هذا كلّه نزر لحقّ هذا المولود، فسمّى نزارا لذلك» . وأمّ نزار: معانة بنت جوشم «١» بن جلهمة، بن عمرو  ، بن هلينيّه بن دوّة ، بن جرهم. قال السهيلى: «ويقال اسمها ناعمة» .

وأما مضر بن نزار
فأمه و أم إياد: سودة بنت عكّ، بن الذّيب بن عدنان.

وقال محمد بن الحسين فى كتاب التحفة: إنّ أم مضر اسمها سودة بنت عكّ، قال: وقيل حبّية بنت عكّ. وقاله الزبير بن بكّار. وروى أن أم مضر خاصة سودة بنت عكّ؛ وربيعة وأنمار وإياد أمهم شقيقة بنت عكّ؛ وإلى مضر تنتسب مضر الحمراء لسكناها قباب الأدم، ومضر السّوداء سميت بذلك لسكناها المظالّ.

وقال الزبير عن غير واحد من أهل العلم بالنّسب: إنهم قالوا: لما حضرت نزارا الوفاة، آثر إيادا بولاية الكعبة، وأعطى مضر ناقة حمراء فسمّى مضر الحمراء، وأعطى ربيعة فرسه، فسمّوا ربيعة الفرس، وأعطى أنمارا جارية له تسمّى بجيلة فحضنت بني ، فسمّى بجيلة أنمار.

وقد تقدم ذكر خبر أولاد نزار فى الأمثال عند قولهم: «إن العصا من العصيّة، و «إن خشينا من أخشى  وقصتهم مع الأفعى الجرهمىّ ، وهو فى الباب الأوّل من القسم الثانى من الفن الثانى فى السفر الثالث من هذه النسخة من كتابنا هذا .

قال ابن الأثير الجزرىّ : «ومضر أوّل من حدا، وكان سبب ذلك أنه سقط عن بعيره، فانكسرت يده فجعل يقول: يا يداه! يا يداه! فأتته الإبل من المرعى، فلما صلح وركب حدا، وكان من أحسن الناس صوتا. وقيل بل انكسرت يد مولى له فصاح، فاجتمعت الإبل، فوضع مضر الحداء وزاد الناس فيه» .

قال السّهيلى: وفى الحديث: «لا تسبّوا ربيعة ولا مضر فإنهما كانا مؤمنين وروى عبد الملك بن حبيب بسنده إلى سعيد بن المسيّب أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «لا تسبّوا مضر فإنه كان مسلما على ملة إبراهيم. وعن عبد الملك بن حبيب والزبير وجماعة: أن ربيعة ومضر الصّريح من ولد إسماعيل ابن إبراهيم، عليهما السلام. قال: وحدثنى أبو معاوية، عن ابن جريج، عن عطاء،
عن ابن عباس، رضى الله عنهما، قال: «مات أدد والد عدنان، وعدنان، ومعدّ بن عدنان، وربيعة، ومضر، وقيس عيلان، وتميم، وضبّة، وأسد، وخزيمة، على الإسلام على ملة أبيهم إبراهيم، فلا تذكروهم إلا بما يذكر به المسلمون . والله الموفق.

وأما الياس بن مضر،

فكيته أبو عمرو. وقال صاحب الاشتمال : قال الزبير:

ولد مضر بن نزار الياس بن مضر، فلما أدرك الياس أنكر على بنى إسماعيل ما غيّروا من سنن آبائهم وسيرهم، وبان فضله فيهم، ولان جانبه لهم، حتى جمعهم رأيه ورضوا به، فردّهم إلى سنن آبائهم، حتى رجعت سنّتهم تامة على أوّلها.

وهو أوّل من أهدى البدن إلى البيت، وهو أوّل من وضع [حجر ] الرّكن للناس بعد غرق البيت وانهدامه زمن نوح. فكان الياس أوّل من ظفر به، فوضعه فى زاوية البيت.

وبعض الناس يقولون: إنما كان ذهب بعد إبراهيم وإسماعيل. قال: وفى هذا كله نظر. قال: وقال الزبير: ولم تزل العرب تعظّم الياس بن مضر تعظيم أهل الحكمة، كتعظيمها لقمان وأشباهه. قال ابن دحية : وهو وصىّ أبيه، وكان ذا جمال بارع ودين، تعظمه العرب قاطبة، وهو أوّل من مات بالسّلّ. قال السّهيلى «٦» : «وإنما سمى السلّ داء ياس وداء الياس لأن الياس بن مضر مات به .

ولما مات أسفت امرأته خندف عليه أسفا شديدا. وكانت نذرت، إن هلك، لّا تقيم فى بلد مات فيه، ولا يظلّها بيت، وتسيح فى الأرض، وحرّمت الرجال والطيّب بعده. فلما هلك خرجت ساتحة حتى هلكت.

وكانت وفاته يوم الحميس، فنذرت أن تبكيه كلما طلعت شمس يوم الخميس حتى تغيب الشمس. قال السهيلىّ: «ويذكر عن النبى صلى الله عليه وسلم [أنه ] قال: «لا تسبوا الياس فإنه كان مؤمنا» . وذكر أنه كان يسمع فى صلبه لمبية النبىّ، صلى الله عليه وسلم، بالحج . والله أعلم.

وأما مدركة بن الياس

فقال ابن السائب: واسمه عمرو. وقال ابن إسحاق والزبير: عامر ، وكنيته أبو الهذيل، وقيل أبو خزيمة. وأمه خندف، واسمها ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. واسم أمها ضريّة بنت ربيعة بن نزار، وبها سمى «حمى ضريّة» .

وأما خزيمة بن مدركة

فكنيته أبو أسد، وأمه سلمى بنت أسلم بن الحاف ابن قضاعة. وقيل سلمى بنت أسد بن ربيعة، وخزيمة هذا هو الذى نصب هبل على الكعبة، فكان يقال هبل خزيمة، هكذا ذكره ابن الأثير. وروى عن عطاء عن ابن عباس رضى الله عنهما أن خزيمة مات على ملة إبراهيم عليه السلام.

أما كنانة بن خزيمة

فكنيته أبو النّضر، وأمّه عوانة بنت سعد بن قيس [بن عيلان ] ، ويقال: بل هند بنت عمرو بن قيس بن عيلان. قال أبو الحسن سلّام ابن عبد الله بن سلام الإشبيلىّ: وقال أبو عمرو العدوانى لابنه فى وصيته: «يا بنى أدركت كنانة بن خزيمة- وكان شيخا مسنّا عظيم القدر، وكانت العرب تحج إليه لعلمه وفضله- فقال: إنه قد آن خروج نبىّ بمكة يدعى أحمد، يدعو إلى الله، وإلى البر والإحسان ومكارم الأخلاق، فاتّبعوه تزدادوا شرفا إلى شرفكم، وعزّا إلى عزّكم، ولا تتعدوا ما جاء به، فهو الحق» . والله الموفق.

وأما النّضر بن كنانة

فكنيته أبو يخلد، كنّى بابنه يخلد . واسم النّضر قيس.

قال أبو ذرّ الخثنىّ: النّضر: الذّهب الأحمر وهو النّضار؛ سمّى النّضر بذلك لوضاءته وإشراق وجهه. وأمّه برّة بنت مر بن أدّ بن طابخة بن الياس بن مضر أخت تميم بن مرّ. والذى عليه أكثر أهل السّير والمؤرّخين أن كنانة خلف على برّة بعد أبيه خزيمة، على ما كانت الجاهلية تفعله؛ إذا مات الرجل خلف على زوجته بعده أكبر بنيه من غيرها  . ويردّ هذا ما روى عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنه قال:

«ما ولدنى من سفاح أهل الجاهلية شىء؛ ما ولدنى إلا نكاح كنكاح أهل الإسلام ، وقول ابن الكلبىّ: «كتبت لرسول الله، صلى الله عليه وسلم خمسمائة أمّ، فلم أجد فيها شيئا مما كان من أمر الجاهلية» . وقد تقدّم ذكر ذلك آنفا.
وقد اعتذر القائلون هذا القول عنه بأعذار، وأقاموا أدلة على أنه ليس يسقاح ولا من أمر الجاهلية. وفى أعذارهم وأدلّتهم بعض تكلّف. وقد حصل الظفر- ولله الحمد والمّنة- بما يزيل هذا الإشكال، ويرفع هذا الاحتمال، ويخلّص من مهاوى هذه الشّبه؛ وهو الصحيح، إن شاء الله تعالى، وسنذكره بعد ذكر أعذارهم وأدلّتهم.

أما ما استدلوا به على تقدير أن يكون كنانة خلف على برة بنت مرّ بن ادّ بعد أبيه، فقال السّهيلىّ رحمه الله، فى قوله تعالى: (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ  ) 

أى إلا ما قد سلف من تحليل ذلك قبل الإسلام، قال: وفائدة لاستثناء ألا يعاب نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليعلم أنه لم يكن فى أجداده بغية ولا سفاح؛ ألا ترى أنه لم يقل فى شىء نهى عنه فى القرآن (إلا ما قد سلف) نحو  (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى )

 ولم يقل (إلا ما قد سلف) ، (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ  ) *

ولم يقل (إلا ما قد سلف) ، ولا فى شىء من المعاصى التى نهى عنها إلا فى هذه [لآية ] ، وفى الجمع بين الأختين؛ لأن الجمع بينهما قد كان مباحا فى شرع من قبلنا؛ وقد جمع يعقوب عليه السلام، بين راحيل  وأختها ليا؛ فقوله: (إلا ما قد سلف) التفات إلى هذا المعنى وتنبيه على هذا المعزى. ونقل السّهيلىّ هذه التكتة عن القاضى أبى بكر بن العربىّ.

واعتذار من اعتذر عن هذه الواقعة على هذا المنوال.

وأما ما ارتفع به هذا الإشكال، فهو ما نقله أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ برحمه الله- فى كتاب له سماه «كتاب الأصنام» قال فيه: «وخلف: كنانة بن خزيمة على زوجة أبيه بعد وفاته، وهى برّة بنت أدّ بن طابخة بن الياس بن مضر، وهى أمّ أسد بن الهون؛ ولم تلد لكنانة ولدا ذكرا ولا أنثى، ولكن كانت ابنة أخيها، وهى برّة بنت مرّ بن أدّ بن طابخة: أخت تميم بن مرّ عند «١» كنانة بن خزيمة، فولدت له النّضر بن كنانة» . قال: «وإنما غلط كثير من الناس لما سمعوا أن كنانة خلف على زوجة أبيه لاتّفاق اسمهما وتقارب نسبهما» . قال: «وهذا الذى عليه مشايخنا وأهل العلم بالنسب» . قال: «ومعاذ الله أن يكون أصاب نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم مقت نكاح؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما زلت أخرج من نكاح كنكاح الإسلام، حتى خرجت من أمى وأبى» . قال: «ومن اعتقد غير هذا فقد كفر وشكّ فى هذا الخبر. قال: والحمد لله الذى طهّره من كل وصم وطهّر به» .

وأما مالك بن النّضر،

فكنيته أبو الحارث، وأمّه عاتكة بنت عدوان، وهو الحارث بن عمرو بن قيس عيلان، ولقبها عكرشة، وقيل عوانة بنت سعد القيسية، وقيل غير ذلك. ومالك هو أبو قريش كلها.

وأما فهر بن مالك

وهو قريش، وفهر لقب غلب عليه فكنيته أبو غالب، وهو جمّاع قريش فى قول هشام بن الكلبىّ. وأم فهر جندلة بنت عامر بن الحارث ابن مضاض الجرهمى ؛ ومن جاوز فهرا فليس هو من قريش.

وقد اختلف فى تسمية قريش قريشا، ومن أوّل من تسمّى به، فقال محمد بن كعب : إنما سميت قريش قريشا لتجمّعها بعد تفرّقها، وقال محمد بن سلام:

لما جمع قصىّ قبائل النّضر، وحارب بهم خزاعة، وغلب على الحرم، سمّوا قريشا لاجتماعهم. وقيل: إنما سمّوا قريشا لأنهم يتقرّشون البضاعات فيشترونها. وقيل:

جاء النّضر بن كنانة فى ثوب له فقالوا: قد تقرّش فى ثوبه كأنه جمل قريش، أى شديد مجتمع. وقيل: أوّل من سماهم بهذا الاسم قصىّ بن كلاب. قاله المبّرد.

وقال الشّعبىّ: النّضر بن كنانة هو قريش، وإنما سمى قريشا لأنه كان يقرّش عن خلّة الناس وحاجتهم فيسدّ ذلك بماله، والتقريش: هو التفتيش، وكان بنوه يقرشون أهل الموسم فيزوّدونهم بما يبلّغهم، فسموا بذلك من فعلهم.

وقال الزبير بن بكّار قال عمىّ: قريش بن بدر بن يخلد بن النّضر كان دليل بنى كنانة فى تجارتهم، فكان يقال «قدمت غير قريش» ، وأبوه بدر بن يخلد صاحب بدر [الموضع] الذى كانت به الوقعة المشهورة، وذكر عن عمه أن فهرا هو قريش، قال:

وقد اجتمع النسّاب من قريش وغيرهم أن قريشا إنما تفرّقت عن فهر. والذى عليه من أدركت من نسّاب قريش أن ولد فهر بن مالك قريش، ومن جاوز فهرا فليس من قريش.

وروى عن هشام بن السائب: أن النّضر بن كنانة هو قريش. وقيل عنه فى موضع آخر: ولد مالك بن النّضر فهرا وهو جمّاع قريش. وقال أبو عبيدة معمر ابن المثنّى: أوّل من وقع عليه اسم قريش النّضر بن كنانة، فولده قريش دون سائر بنى كنانة. وقال أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد: قريش مأخوذ من القرش، وهو وقع الأسنّة بعضها على بعض ؛ لأن قريشا أحذق الناس بالطّعان.

وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه سأل عمرو بن العاص: لم سميت قريش قريشا؟ قال: بالقرش، دابّة فى البحر تأكل الدوابّ لشدّتها. وقال: المطرّزىّ :

هى ملكة الدواب، وسيّدة الدواب وأشدّها، فكذلك قريش سادات الناس.

وكان فهر رئيس الناس بمكّة. والله أعلم.

وأما غالب بن فهر

 فكنيته  أبو تيم، وأمه ليلى بنت الحارث، بن تميم،  بن سعد، بن هذيل، بن مدركة؛ ولغالب هذا من الولد: لؤىّ، وتيم الأدرم؛ وكان تيم كاهنا، وإنما قيل له تيم الأدرم لأن أحد لحييه كان أنقص من الآخر.

وفى قريش تيمان: تيم بن مرّة، وتيم الأدرم. قال ابن قتيبة  : «بنو الأدرم من أعراب قريش ليس بمكّة منهم أحد  . والله أعلم.
وأما لؤىّ بن غالب،

فكنيته  أبو كعب، وأمه عاتكة بنت يخلد، بن النّضر بن كنانة، وهى إحدى  العواتك الّلاتى ولدن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وقيل: بل أمه سلمى بنت عمرو بن ربيعة (وهو لحىّ بن حارثة  ) الخزاعية.

وأما كعب بن لؤىّ، فكنيته أبو هصيص، وأمه ماوية بنت كعب بن القين ابن جسر القضاعية. قيل: إنما سمى كعب كعبا لارتفاعه على قومه، وشرفه فيهم.

وكان عظيم القدر عند العرب؛ فلهذا أرّخوا بموته إلى عام الفيل، ثم أرّخوا بالفيل؛ روى أبو نعيم فى «الدّلائل» عن الطّبرانى بسنده إلى عبد العزيز بن أبى ثابت قال: «أرّخت كنانة من موت كعب بن لؤىّ، وأرّخت قريش بعد موته من عام الفيل؛ وبين موت كعب والفيل خمسمائة سنة وعشرون سنة  .

«وكعب هذا أوّل من سمى يوم الجمعة الجمعة، وكانت العرب تسمّى يوم الجمعة العروبة» ؛ قاله السهيلى  . ومعنى العروبة الرحمة فيما بلغنى عن أهل العلم، وإنما سماه الجمعة لاجتماع قريش فيه وخطبته فيهم .

وأوّل من قال «أما بعد» كعب؛ فكان يقول: «أما بعد، فاستمعوا وافهموا» .

ثم قال: «حرمكم عظّموه وتمسّكوا به، وسيأتى لكم نبأ عظيم، وسيخرج له نبىّ كريم» .

قال السّهيلىّ: «وكان يخطبهم ويذكّرهم بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعلمهم أنه من ولده، ويأمرهم باتباعه والإيمان به، وينشد ويقول:

يا ليتنى شاهد فحواء دعوته. إذا قريش تبغّى الحقّ خذلانا 

وأما مرّة بن كعب،

فكنيته أبو يقظة، وأمه مخشية، وقيل وحشية بنت شيبان، بن محارب، بن فهر. وفى مرّة يجتمع نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونسب أبى بكر الصّديق، وطلحة بن عبيد الله رضى الله عنهما.

وأما كلاب بن مرّة، فكنيته أبو زهرة، واسمه حكيم. وكلاب لقب غلب عليه، وسبب ذلك أنه كان محبّا للصيد مولعا به، وكان أكثر صيده بالكلاب، وجمع منها شيئا كثيرا، فكان إذا مرّ بقوم بكلابه قالوا: هذه كلاب ابن مرة، فغلب ذلك عليه؛ وفيه يقول الشاعر:

حكيم بن مرّة ساد الورى. ببذل النّوال وكفّ الأذى

وأمّ كلاب هند بنت سرير، بن ثعلبة، بن الحارث، بن فهر، بن مالك، بن كنانة. ويقال: إن كلابا هذا أوّل من جعل فى الكعبة السيوف المحلّاة بالذهب والفضة ذخيرة للكعبة.

وأما قصىّ بن كلاب

فاسمه زيد، وكنيته أبو المغيرة، وقصىّ لقبه، ويلقّب أيضا مجمّعا. قال السّهيلىّ، فى قصىّ «تصغير قصىّ: أى بعيد» . وقال الرّشاطىّ: «وإنما قيل له قصىّ لأن أباه كلاب بن مرّة كان قد تزوّج فاطمة بنت سعد بن سيل، واسم سيل، خير بن حمالة، بن عوف، بن عثمان «٣» ، بن عامر (وهو الجادر «٥» ) بن جعثمة وهو يشكر ، وهم من الأزد. فولدت له زهرة وزيدا، ثم هلك كلاب وزيد صغير فطيم» ، وقال السّهيلى : إنه كان رضيعا، «فتزوّج فاطمة أمّ قضىّ ربيعة بن حرام، بن ضنّة، بن عبد، ابن كبير  ، بن عذرة، بن سعد، بن زيد، بن قضاعة، فاحتملها ربيعة ومعها زيد، فربى زيد فى حجر ربيعة، فسمّى قصيّا لبعده عن دار قومه» .

وقال الخطّابى: «سمى قصيا لأنه قصّى قومه، أى تقصّاهم بالشام فنقلهم إلى مكة» . قال الرّشاطى: «ثم إن زيدا وقع بينه وبين ربيعة شر، فقيل له: ألا تلحق بقومك؟ وعيّر بالعربة، وكان لا يعرف لنفسه أبا غير ربيعة، فرجع قصىّ إلى أمه، وشكا لها ما قيل له، فقالت له: يا نبىّ،

أنت أكرم منه نفسا وأبا، أنت ابن كلاب بن مرّة، وقومك بمكة عند البيت الحرام.

فأجمع قصىّ على الخروج، فقالت له أمه: أقم حتى يدخل الشّهر الحرام، فتخرج فى حاجّ العرب، فلما دخل الشهر الحرام خرج مع حاجّ قضاعة حتى قدم مكة، فحجّ وأقام بمكة» .

وكان الذى بلى أمر البيت يومئذ حليل، بن حبشية، بن سلول، بن كعب، ابن عمرو الخزاعى، فخطب إلى حليل بن حبشية ابنته حبّى. فعرف حليل نسبه فزوّجه، وأقام قصىّ معه، فولدت له حبّى أولاده، وهم: عبد مناف، وعبد العزّى، وعبد الدار، وعبد، وبرّة، وتخمر (وهى بالتاء المثناة من فوق وخاء معجمة ساكنة وميم مضمومة وراء) .

فلما انتشر ولده، وكثر ماله، وعظم شرفه هلك حليل، وأوصى بولاية البيت لابنته حبّى. فقالت: إنى لا أقدر على فتح الباب وإغلاقه، فجعلت  ذلك إلى سليم ابن عمرو، بن بوىّ، بن ملكان، وهو أبو غبشأن، ويقال له المحترش، فاشترى قصىّ منه ولاية البيت بزقّ خمر وقعود فضربت به العرب المثل، فقالوا: «أخسر من صفقة أبى غبشان  . فنازعته خزاعة البيت فانترعه منهم. والله الناصر.

ذكر خبر انتزاع قصىّ البيت ومكّة من خزاعة ومن ولى البيت بعد إسماعيل عليه السلام إلى أن انتزعه قصىّ بن كلاب

قال محمد بن إسحاق بن يسار : «لما توفى لله تعالى إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وولى البيت بعده ابنه نابت بن إسماعيل ما شاء الله أن يليه، ثم ولى البيت بعده مضاض ابن عمرو الجرهمى، وبنو نابت مع جدّهم مضاض بن عمرو وأخوالهم من جرهم، وجرهم وقطوراء يومئذ أهل مكة، وهما ابنا عمّ، وكانا ظعنا من اليمن، فأقبلا سيّارة، وعلى جرهم مضاض بن عمرو، وعلى قطوراء السّميدع، رجل منهم. فلما نزلا مكة وأبا بلدا ذا ماء وشجر، فأعجبهما فنزلا به؛ فنزل مضاض بمن معه من جرهم أعلى مكة بقعيقعان فما حاز، ونزل السّميدع بقطوراء أسفل مكة بأجياد  فما حاز، وكان كل منهما يعشر  من دخل مكة ممّا يليه، وكلّ منهما فى قومه لا يدخل على صاحبه» .

«ثم إن جرهما وقطوراء بغى بعضهم على بعض، وتنافسوا الملك بها، ومع مضاض بنو إسماعيل وبنو تابت، وإليه ولاية البيت دون السّميدع، فسار بعضهم إلى بعض؛ فخرج مضاض بن عمرو من قعيقعان فى كتيبته سائر إلى السّميدع ومع كتيبته عدّتها من الرماح والدّرق والسيوف والجعاب، يقعقع [بذلك ] ؛ فيقال ما سمى قعيقعان قعيقعان إلا لذلك. وخرج السّميدع من أجياد ومعه الخيل والرجال، فيقال ما سمى أجياد أجيادا

إلا لخروج الجياد من الخيل منه مع السّميدع. فالتقوا بفاضح «٢» واقتتلوا قتالا شديدا، فقتل السّميدع، وفضحت قطوراء؛ فيقال ما سمّى فاضح فاضحا إلا لذلك» .

ثم إنّ القوم تداعوا إلى الصّلح، فساروا حتى نزلوا المطابخ: شعبا بأعلى مكة، فاصطلحوا به، وأسلموا الأمر إلى مضاض. فلما اجتمع إليه أمر مكة، وصار ملكها له، نحر للناس فطبخوا وأكلوا ، فيقال ما سميت المطابخ المطابخ إلا لذلك» .

وبعض أهل العلم يزعم أنها إنما سميت المطابخ لما كان تبّع نحر بها وأطعم وكانت منزله. والله أعلم» .

«فكان الذى كان بين مضاض والسّميدع أوّل بغى كان بمكة. ثم نشر الله ولد إسماعيل بمكة، وأخوالهم من جرهم ولاة البيت والحكّام بمكة، لا ينازعهم ولد إسماعيل فى ذلك لخئولتهم وقرابتهم، وإعظاما للحرمة أن يكون بها بغى أو قتال؛ فلما ضاقت مكة على ولد إسماعيل انتشروا فى البلاد، فلا يناوئون قوما إلا أظهرهم الله عليهم بدينهم» .

«ثم إنّ جرهما بغوا بمكة، واستحلّوا خلالا من الحرمة، وظلموا من دخلها من غير أهلها، وأكلوا مال الكعبة الذى يهدى لها، فرقّ أمرهم. فلما رأت بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة، وغبشان من خزاعة ذلك، أجمعوا لحربهم وإخراجهم من مكة؛ فاذنوهم بالحرب فافتتلوا، فغلبتهم بنو بكر وغبشان، فنفوهم من مكة؛ وكانت مكة فى الجاهلية لا تقر فيها ظلما ولا بغيا» .وكلاب :

كِلاَب بْن مُرَّةَ بْنِ كَعبِ بْنِ لؤَيِّ بْنِ غالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ.

"عدنان" :
من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام باتفاق العلماء.

روى مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ غُلَامٌ، فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ ).

فأبوه:
عَبْد اللَّه بْن عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلاَبِ.



كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب
شهاب الدين النويري 
   

ذكر المبشّرات برسول الله ﷺ، قبل مولده ومبعثه

جاءت البشائر برسول الله صلى الله عليه وسلم فى كتب الله تعالى المنزلة على أنبيائه صلوات الله عليهم، وفيما «١» نقل إلينا من كلامهم، ووجد بخطّهم، وبشّر به أحبار يهود، وعلماء النّصارى، عما انتهى إليهم من العلوم التى تلقّوها عن الأنبياء صلوات الله عليهم، ونقلوها من صحفهم، ومخّبئات كتبهم، وذخائر أسرارهم، حتى اعترف قوم بنبوّته صلى الله عليه وسلم قبل مولده وظهوره بما شاء الله من السنين، وأوصوا به من بعدهم؛ (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ)

وبشّر به أيضا قبل مبعثه كهّان العرب، عما كان يأتيهم من أخبار السّماء على لسان شياطينهم الذين كانوا يسترقون السّمع ومنعوا بالشّهب، كما أخبرنا الله تعالى فى قوله: (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً)

، ونطق الجانّ من أجواف الأصنام بالبشارة به، فكان ذلك سببا لإسلام من سمع أصواتها ممن سبقت له من الله الحسنى، وهداه وأرشده إلى اتّباع الحق، والإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به من عند الله، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى فى مواضعه.

أما ما جاءت به الكتب المنزلة من الله تعالى

مما يدل على نبوّة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد جاء ذلك فى القرآن العزيز، وفى التوراة، والإنجيل، وزبور داود، وكتب الأنبياء: شعيا، وشمعون، وحزقيل عليهم السلام.

ما جاء فى القرآن الكريم 

فقد قال الله عز وجل: (وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ)

، وقال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ، قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ)

قال أهل التفسير: أخذ الله الميثاق بالوحى، فلم يبعث نبيا إلا ذكر له محمدا ونعته، وأخذ عليه «١» ميثاقه: إن أدركه ليؤمننّ به؛ وقيل:

أن يبيّنه لقومه، ويأخذ ميثاقهم أن يبيّنوه لمن بعدهم؛ وقوله تعالى: (ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ)

الخطاب لأهل الكتاب المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم.

وعن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه ، أنه قال: لم يبعث الله نبيا من آدم فمن بعده، إلا أخذ عليهم العهود فى محمد صلى الله عليه وسلم: لئن بعث وهو حىّ ليؤمنن به ولينصرنّه ويأخذ العهد بذلك على قومه. ونحوه عن السّدّى وقتادة.

وقال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً)

روى عن قتادة: أن النبىّ صلى الله عليه وسلم قال: كنت أول الأنبياء فى الخلق، وآخرهم فى البعث. قال القاضى عياض: فلذلك وقع ذكره مقدّما هنا قبل نوح وغيره، صلى الله عليهم أجمعين.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا دعوة أبى إبراهيم، وبشّر بى عيسى» الحديث. يشير بدعوة إبراهيم عليه السلام إلى قوله تعالى إخبارا عنه: (رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) .

المبشرات برسول الله،

ما جاء فى كتب الله السالفة

فقد علمنا قطعاً أن أهل الكتاب بدّلوا فى كتب الله تعالى المنزلة على أنبيائهم، وحرّفوا كلمها عن مواضعه، وحذّفوا منها أشياء فيها صريح ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بغيا منهم وحسدا وجحودا ونكالا وافتراء على الله تعالى. هذا لا مرية عندنا فيه ولا خلاف، وقد اتّفقوا على أشياء فى كتبهم وترجموا عنها بالعربية، تدل على نبوّة سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحن نذكرها إن شاء الله، وكتموا فيها ما أخبر به من أسلم من أحبار يهود وغيرهم، وعرض ذلك على من استمرّ على كفره، فلم يسعه إنكاره بل أقرّبه، على ما نذكر إن شاء الله تعالى فى مواضعه. 

المتفق علية مما جاء فى التوراة

فمن ذلك قوله: «جاء الله من طور سيناء، وأشرق لنا من ساعير، واستعلن من جبال فاران» وفى ترجمة أخرى كذلك: «تجلى الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران»، قال العلماء: وفى هذا تصريح بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، لأن الطّور هو الجبل الذى اصطفى الله تعالى موسى عليه بتكليمه، وساعير: جبل بالشام منه ظهرت نبوّة عيسى بن مريم، وبالقرب منه قرية الناصرة التى ولد فيها، وفاران: هى مكة شرفها الله تعالى.

قال الشيخ حجة الدين أبو هاشم محمد بن ظفر فى كتابه المترجم بخير البشر :

لا يخالف فى هذا أحد من أهل الكتاب. قال: «وأما قوله: جاء الله من طور سيناء فإن مجىء الله هو مجىء كتابه وأمره كما قال الله تعالى: (فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا)

؛ أى أتاهم أمره. وقوله: «وأشرق لنا من ساعير» كناية عن ظهور أمره وكلامه، قال: وكذلك قوله: «واستعلن من جبال فاران» ، أى ظهر أمره، وكتابه، وتوحيده، وحمده، وما شرعه رسوله من ذكره بالأذان والتلبية وغير ذلك؛ قال ابن ظفر : «وقرأت فى ترجمة للتوراة خطابا لموسى عليه السلام، والمراد به الذين اختارهم لميقات ربه فأخذتهم الرّجفة خصوصا، ثم سائر بنى إسرائيل عموما: والله ربك يقيم نبيا من إخوتك، فاستمع له كالذى سمعت ربّك فى حوربت يوم الاجتماع حين قلت: لا أعود أسمع صوت الله ربى لئلا أموت، فقال الله لى :

نعم ما قالوا، وسأقيم لهم نبيا مثلك من إخوتهم، وأجعل كلامى فى فمه، فيقول لهم:

كلّ شىء آمره به، وأيّما رجل لم يطع من تكلم باسمى فإنى أنتقم منه.

وفى هذا أدلّة على نبوّة نبينا صلى الله عليه وسلم، منها قوله: «من إخوتهم» ، وموسى وقومه من بنى إسحاق، وإخوتهم بنو إسماعيل، ولو كان الموعود من

بنى إسحاق، لكان من أنفسهم، لا من إخوتهم، كما قال تعالى إخبارا عن إبراهيم فى دعوته: (رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ)

، وكما قال تعالى: (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ)

ومنها قوله: «نبيا مثلك» ، وقد قال فى التوراة: «لا يقوم فى بنى إسرائيل أحد مثل موسى» ، وفى ترجمة أخرى: «مثل موسى لا يقوم فى بنى إسرائيل أبدا» ؛ ومنها قوله: «أجعل كلامى فى فمه» ، فهو واضح أن المقصود به محمد صلى الله عليه وسلم، لأن معناه: أوحى إليه بكلامى فينطق به؛ وقوله: «أيّما رجل لم يطع من تكلّم باسمى فإنى أنتقم منه» دليل على كذب اليهود فى قولهم: إن الله أمرنا بمعصية كلّ نبى دعا إلى دين سمّى نسخا لبعض ما شرعه موسى صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم.

المتفق علية مما فى الإنجيل

فمن ذلك ما ترجموه فى الإنجيل: أن عيسى عليه السلام قال: «إن أحببتمونى فاحفظوا وصيتى، وأنا أطلب إلى أبى فيعطيكم بارقليط آخر يكون معكم الدهر كلّه، فهذا تصريح بأن الله سيبعث إليهم من يقوم مقامه، وينوب عنه فى تبليغ رسالات ربه، وسياسة خلقه منابه، وتكون شريعته باقية مخلّدة أبدا» ، ولم يأت بذلك بعد عيسى إلا محمد صلى الله عليه وسلم.

ومنه ما ترجموه: «إن هذا الكلام الذى سمعتموه ليس هو لى، بل للأب الذى أرسلنى، كلّمكم بهذا وأنا معكم، فأما البارقليط: روح القدس الذى يرسل أبى باسمى، فهو يعلّمكم كلّ شىء، ويذكّركم جميع ما أقول لكم».

قال ابن ظفر: قولهم: «أبى» : فهذه اللفظة عندنا مبدلة محرّفة، وليست منكرة الاستعمال عند أهل الكتابين إشارة إلى الرب سبحانه، لأنها عندهم لفظة
تعظيم يخاطب بها المتعلّم معلّمه الذى يستمدّ العلم منه؛ قال: ومن المشهور مخاطبة النصارى عظماء دينهم بالآباء الروحانية؛ قال: وأما قوله: «يرسله أبى باسمى» فهو إشارة إلى شهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم له بالصّدق والرسالة، وما تضمّنه القرآن من مدحه وتنزيهه عما افتراه اليهود فى أمره.

ومما ترجموه ورضوا ترجمته قولهم: إنه قال: «إذ قال البارقليط الذى أرسل إليكم من عند أبى، روح الحق الذى يخرج من الأب، فهو يشهد لى، وأنتم تشهدون لى أيضا لكينونتكم معى من أوّل أمرى» .

قال: قوله «روح الحق الذى يخرج من الأب» كناية عن كلام الله المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا) .

وقوله: «يشهد لى» تصريح بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، إذ لم يشهد للمسيح عليه السلام بالنبوّة، والنزاهة عما افترى عليه، وبأنه روح الله وكلمته وصفيّه ورسوله، كتاب سوى القرآن، ولم تزل الأمم تكذّب المتّبعين للمسيح، واليهود يفترون العظائم من البهتان، حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فشهد للمسيح بما شهد به حواريّوه الذين كانوا معه من أوّل أمره، والمهتدون من أمته.

قال: ومما رضوه من الترجمة أيضا عن الإنجيل قوله فيه: «إن انطلاقى خير لكم، لأنى إن لم أنطلق لم يأتكم البارفليط؛ فإذا انطلقت أرسلت به إليكم، فإذا جاء فنّد أهل العلم» . قال: فهذا ظاهر، وقوله: «أرسلت به إليكم» إن كان سالما من التحريف، فمعناه مثل معنى قوله: «إن لم أنطلق لم يأتكم» ، وقوله:

«فنّد» وصف صريح للنبىّ صلى الله عليه وسلم، فهو الذى فنّد علماء اليهود والنّصارى فيما أطبقوا عليه من أن المسيح قتل وصلب بعد أن عذّب، وما انفرد

به علماء اليهود من بهتانهم فى الطّعن على المسيح، وما انفرد به علماء النّصارى من الدعوة إلى ألوهية المسيح، فرسول الله صلى الله عليه وسلّم فنّد جميعهم. والتّفنيد:

التخطئة وتقبيح القول والرأى.

قال ابن ظفر: وقرأت فى ترجمة أخرى للإنجيل: أنه قال: «البارقليط لا يجيئكم ما لم أذهب، فإذا جاء وبّخ العالم على الخطيئة، ولا يقول من تلقاء نفسه، ولكنه ما يسمع يكلّمهم به، ويسوسهم بالحق، ويخبرهم بالحوادث والغيوب» . ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذى وبخ العلماء من أهل الكتاب على كتمان الحق، وتحريف الكلم عن مواضعه، وبيع الدّين بالثّمن البخس من عرض الدنيا، وهو الذى أخبر بالحوادث والغيوب.

وقال ابن ظفر: والذى صح عندى فى معنى البارقليط: أنه الحكيم الذى يعرف السّر؛ وقد تقدّم ما يدلّ على أنه الرسول.

وأما ما جاء فى زبور داود عليه السلام ممّا ترجمه أهل الكتاب،

فمن ذلك قوله: «اللهم اجعل جاعل السّنة يحيا، يعلّم الناس أنه بشر» ؛ ويفهم من هذا: أن داود عليه السلام أطلعه الله تعالى على ما سيقوله النصارى فى المسيح إذا أرسله، من أنه إله معبود، فدعا الله سبحانه بأن يبعث محمدا صلى الله عليه وسلم فيعلّمهم أن المسيح بشر.

وفيه أيضا مما ترجموه: «أنه فاضت الرحمة على شفتيك، من أجل ذلك أبارك عليك، إلى الأبد، فتقلّد السّيف، فإن بهاءك وحمدك الغالب، واركب كلمة الحق، فإن ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك؛ والأمم يخرون تحتك» ؛ قال: فالذى قرنت شريعته بهيبة يمينه، وخرّت الأمم تحته، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومنها، وذكر رجلا فقال: «فإذا قام جاز من البحر إلى البحر، ومن عند الأنهار إلى منقطع البرّ، وخرّ أهل الجزائر قدّامه على وجوههم وركبهم، ولحس أعداؤه التراب لهيبته، وجاءته الملوك بالقرابين، ودانت له الأمم بالطاعة؛ لأنه يخلّص الضعيف المغلوب البائس ممن هو أقوى منه، ويقوّى الضعيف الذى لا ناصر له، ويرحم المساكين، ويصلّى ويبارك عليه فى كلّ وقت، ويدوم ذكره إلى الأبد» .

فهذا فى غاية الظّهور أن المراد به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما ما ترجموه من كتاب شعيا عليه السلام ورضوا ترجمته

فقوله :

«عبدى الذى سرّت به نفسى أنزل عليه وحيى، فيظهر فى الأمم عدلى، ويوصيهم بالوصايا، لا يضحك، ولا يسمع صوته فى الأسواق يفتح العيون العور، والآذان الصّمّ، ويحيى القلوب الغلف؛ وما أعطيه لا أعطى  أحدا، مشقّح يحمد الله حمدا جديدا، يأتى من أقصى الأرض، تفرح البرية وسكانها يهلّلون الله على كلّ شرف، ويكررونه على كل رابية، ولا يضعف ولا يغلب، ولا يميل إلى الهوى ولا يذلّ الصالحين الذين هم كالقصبة الضعيفة، بل يقوّى الصدّيقين، وهو ركن المتواضعين، وهو نور الله الذى لا يطفأ، أثر سلطانه على كتفيه» .
قال ابن ظفر : هذه ترجمة السريانيين، وعبّر العبرانيون عنه بأن قالوا: «على كتفيه علامة النبوّة» ؛ فهذا كلّه صريح فى البشارة به صلى الله عليه وسلم، مع ما فيه من ذكر قيام دولة العرب بقوله: «تفرح البريّة وسكّانها» ؛ وأما قوله: [مشقّح ] فهو محمد، لأن الشّقح بلغتهم الحمد.

ومما ترجموه منه أن شعياء عليه السلام قال : «قم نظّارا فانظر ما ترى، فأخبر به، فقلت: أرى راكبين مقبلين، أحدهما على حمار، والآخر على جمل؛ يقول أحدهما لصاحبه: سقطت بابل وأصنامها» فهذه بشارة صريحة بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه راكب الجمل لا محالة، ولأن ملك بابل إنما ذهب بنبوّته صلى الله عليه وسلم وعلى يد أصحابه، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.

قال  : وقد كان على باب من أبواب الإسكندرية صورة جمل من نحاس، عليه راكب من نحاس. فى هيئة العرب مؤتزر مرتد، عليه عمامة، وفى رجليه نعلان، كلّ ذلك من نحاس؛ وكانوا إذا تظالموا يقول المظلوم للظالم: أعطنى حقّى قبل أن يخرج هذا فيأخذ لى بحقّى منك، شئت أو أبيت، ولم يزل الصّنم على ذلك حتى افتتح عمرو بن العاص أرض مصر، فغيّبوا الصنم.

ومنه: «أيّتها العاقر! افرحى واهتزّى وانطلقى بالتسبيح، فإن أهلك يكونون أكثر من أهلى» . قال: فالعاقر مكة، لأنهابواد غير ذى زرع، أو لأن الله لم يبعث
بها نبيا فى ذلك الزمن دون غيرها، فهى عاقر، وقوله: «انطلقى بالتسبيح» إشارة إلى عمارتها بأهل ذكر الله، وقوله: «يكون أهلك أكثر من أهلى» ، قال: إن سلم من التحريف وسوء العبارة «فمن» زائدة، والمعنى أن المسلمين يكونون أكثر أهل طاعة الله وتوحيده ، وقد أخبر النبىّ صلى الله عليه وسلم أن أمّته أكثر أهل الجنة. والآل والأهل يكنّى بهما عن [الجماعة] الخاصّة ، قال عبد المطلب بن هاشم:

نحن آل الله فى بلدتنا ... لم نزل آلا على عهد إرم

ولمّا روجع أبو بكر الصديق رضى الله عنه فى استخلافه عمر بن الخطّاب وقيل له: ماذا تقول لربك وقد استخلفت علينا فظّا غليظا؟ فقال: أقول تركت على أهلك خير أهلك. والله الفعّال.

ومن كتاب شمعون عليه السلام ممّا ترجموه ورضوا ترجمته

قوله: «جاء الله بالبيّنات من جبال فاران، وامتلأت السموات والأرض من تسبيحه وتسبيح أمته» ، وقد تقدّم أن جبال فاران هى جبال مكّة شرّفها الله، ومجىء الله هو مجىء كتابه.

ومن كتاب حزقيل عليه السلام مما ترجموه من قصة ذكر فيها ظهور اليهود وعزّتهم، وكفرانهم للنعم، فشبّههم فيها بالكرمة حيث قال: «لم تلبث تلك الكرمة أن قلعت بالسخطة، ورمى بها على الأرض، فأحرقت السمائم أثرها، فعند ذلك غرس غرس فى البدو، وفى الأرض المهملة العطشى، فخرجت من أغصانه الفاضلة نار فأكلت تلك الكرمة حتى لم يوجد فيها قضيب» .

قال: فلا شك أن أرض البدو المهملة العطشى هى أرض العرب، وغرس الله الذى غرسه فيها هو محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أخزى الله به اليهود والله أعلم.

وممّا نقل من كلام خيقوق،

وهو الذى زعمت اليهود أنه ادّعى النبوّة فى عهد بختنصّر، وحكوا عنه أنه قال: «إذا جاءت الأمّة الآخرة يسبّح بهم صاحب الجمل- أو قال: راكب الجمل- تسبيحا جديدا فى الكنائس الجدد، فافرحوا، وسيروا إلى صهيون بقلوب آمنة، وأصوات عالية، بالتسبيحة الجديدة التى أعطاكم الله فى الأيام الآخرة، أمّة جديدة بأيديهم سيوف ذوات شفرتين، فينتقمون من الأمم الكافرة فى جميع الأقطار» . ولا شكّ أن راكب الجمل أو صاحب الجمل من الأنبياء هو محمد صلى الله عليه وسلم، والأمّة الجديدة هى العرب، والكنائس الجدد هى المساجد، وصهيون: مكة، والتسبيحة الجديدة: «لبّيك اللهم لبّيك» .

ونقل أيضا عن خيقوق هذا أنه قال: «جاء الله من اليمن، وظهر القدس على جبال فاران، وامتلأت الأرض من تحميد أحمد، وملك بيمينه رقاب الأمم، وأضاءت الأرض لنوره، وحملت خيله فى البحر» . والله أعلم.

[ومما وجد بخط موسى بن عمران عليه السلام]

ما روى معمر عن الزّهرى أنه قال: أشخصنى هشام بن عبد الملك إلى الشام، فلما كنت بالبلقاء وجدت حجرا مكتوبا عليه بالخط العبرانىّ، فطلبت من يقرؤه، فأرشدت إلى شيخ، فانطلقت به إلى الحجر، فقرأه وضحك، فقلت: ممّ تضحك؟ قال: أمر عجيب، مكتوب على هذا الحجر: باسمك اللهم جاء الحقّ من ربك، لسان عربىّ مبين؛ لا إله إلا الله محمد رسول الله. وكتبه موسى بن عمران بخطّ يده، وإنما ألحقنا هذا الخبر بما قبله لأن موسى صلى الله عليه وسلم إنما يكتب بخطه ما تلقّاه عن الله تعالى، أو عن كتبه المنزلة؛ وهذا الذى أوردناه مما جاء فى كتب الله السالفة هو الذى أبداه أهل الكتاب وأثبتوه، وترجموه ورضوا ترجمته فى تحريفهم وتبديلهم.

وأما ما كتمه أهل الكتاب ممّا فيه صريح ذكر النبى صلى الله عليه وسلم

ودلّنا عليه وأخبرنا به من أسلم منهم ممّن جاز لنا أن نروى عنه ونقبل روايته؛ مثل وهب، وكعب الأحبار، وأبى ثعلبة بن أبى مالك.

ما جاء عن وهب بن منبّه.

فإنه روى عنه أنه قال: قرأت فى بعض كتب الله المنزلة على نبىّ من بنى إسرائيل: «أن قم فى قومك، فقل يا سماء اسمعى، ويا أرض أنصتى؛ لأن الله يريد أن يقصّ شأن بنى إسرائيل:

أنى ربّيتهم بنعمتى، وآثرتهم بكرامتى، واخترتهم لنفسى، وأنى وجدت بنى إسرائيل كالغنم الشاردة التى لا راعى لها، فرددت شاردها، وجمعت ضالّتها، وداويت مريضها، وجبرت كسيرها، وحفظت سمينها؛ فلما فعلت بها ذلك بطرت، فتناطحت كباشها، فقتل بعضها بعضا. فويل لهذه الأمّة الخاطئة، ويل لهؤلاء القوم الظالمين؛ إنى قضيت يوم خلقت السموات والأرض قضاء حتما، وجعلت له أجلا مؤجّلا لا بدّ منه، فإن كانوا يعلمون الغيب فليخبروك متى حتمته، وفى أى زمان يكون ذلك، فإنى مظهره على الدين كله، فليخبروك متى يكون هذا، ومن القيّم به، ومن أعوانه وأنصاره، إن كانوا يعلمون الغيب فإنى باعث بذلك رسولا من الأمّييّن ليس بفظّ ولا غليظ، ولا صحّاب فى الأسواق، ولا قوّال بالهجر والخنى، أسدّده

بكل جميل، وأهب له كلّ خلق كريم، وأجعل السكينة على لسانه، والتقوى ضميره، والحكمة منطقه، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه والحقّ شريعته، والعدل سيرته، والإسلام ملّته، أرفع به من الوضيعة، وأغنى به من العيلة، وأهدى به من الضلالة، وأؤلّف به بين قلوب متفرّقة، وأهواء مختلفة، وأجعل أمّته خير الأمم إيمانا بى وتوحيدا «١» لى، وإخلاصا بما جاء به رسولى، ألهمهم التسبيح والتحميد والتمجيد لى فى صلواتهم «٢» ومساجدهم ومنقلبهم ومثواهم، يخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاتى يقاتلون فى سبيلى صفوفا، ويصلّون «٣» لى قياما وركوعا وسجودا، يكبّروننى على كلّ شرف، رهبان بالليل، أسد بالنهار؛ ذلك فضلى أوتيه من أشاء، وأنا ذو الفضل العظيم» .

ومنه ما روى عنه أنه قال: قرأت فى بعض الكتب القديمة: «قال الله تبارك وتعالى: وعزّتى وجلالى لأنزلنّ على جبال العرب نورا يملأ ما بين المشرق والمغرب، ولأخرجن من ولد إسماعيل نبيا عربيا أمّيا يؤمن به عدد نجوم السماء ونبات الأرض، كلهم يؤمن بى ربّا، وبه رسولا، ويكفرون بملل آبائهم، ويفرّون منها. قال موسى: سبحانك وتقدّست أسماؤك! لقد كرّمت هذا النبى وشرّفته، قال الله عز وجل: يا موسى إنى أنتقم من عدوّه فى الدنيا والآخرة، وأظهر دعوته على كل دعوة، وسلطانه ومن معه «٤» على البر والبحر، وأخرج لهم من كنوز الأرض، وأذلّ من خالف شريعته؛ يا موسى: بالعدل ربّيته «٥» ، وبالقسط أخرجته؛

وعزّتى لأستنقذنّ به أمما من النار، فتحت الدنيا بإبراهيم، وختمتها بمحمد، مثل كتابه الذى يجىء به، فاعقلوه يا بنى إسرائيل مثل السّقاء المملوء لبنا يمخض فيخرج زبدا، بكتابه أختم الكتب، وبشريعته أختم الشرائع، فمن أدركه ولم يؤمن به ولم يدخل فى شريعته فهو من الله برىء، أجعل أمّته يبنون فى مشارق الأرض ومغاربها مساجد، إذا ذكر اسمى فيها ذكر اسم ذلك النبىّ معى، لا يزول ذكره من الدنيا حتى تزول.

ما جاء عن كعب الأحبار

فمن ذلك ما روى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: يا كعب، أدركت النبىّ صلى الله عليه وسلم، وقد علمت أن موسى بن عمران تمنّى أن يكون فى أيامه فلم تسلم على يده، ثم أدركت أبا بكر وهو خير منّى فلم تسلم على يده، ثم أسلمت فى أيّامى، فقال: يا أمير المؤمنين، لا تعجل علىّ، فإنى كنت أتثبّت حتى أنظر كيف الأمر؟ فوجدته كالذى هو فى التوراة. قال عمر: كيف هو فيها؟ قال: رأيت فى التوراة أن سيد الخلق، والصفوة من ولد آدم، يظهر من جبال فاران من منابت القرظ من الوادى المقدّس، فيظهر التوحيد والحق، ثم ينتقل إلى طيبة، فتكون حروبه وأيامه بها، ثم يقبض فيها، ويدفن بها. قال عمر: ثم ماذا يا كعب؟ قال كعب: ثم يلى بعده الشيخ الصالح. قال عمر: ثم ماذا؟

قال كعب: ثم يموت متّبعا. قال عمر: ثم ماذا؟ قال كعب: ثم يلى بعده القرن الحديد - وفى لفظ: مدرع من حديد، قال عمر: وادفراه ! ثم ماذا؟

قال كعب: ثم يقتل شهيدا؛ قال عمر: ثم ماذا؟ قال كعب: ثم يلى صاحب

الحباء والكرم، قال عمر: ثم ماذا؟ قال كعب: ثم يقتل مظلوما، قال عمر:

ثم ماذا؟ قال كعب: ثم يلى صاحب المحجّة البيضاء، والعدل والسواء، صاحب الشّرف التامّ، والعلم الجام ، قال عمر: ثم ماذا؟ قال كعب: ثم يموت شهيدا سعيدا، قال عمر: ثم ماذا؟ قال كعب: ثم ينتقل الأمر إلى الشام؛ قال عمر:

حسبك يا كعب.

ومما جاء عنه ما روى عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما: أن رجلا جاء إلى كعب الأحبار من بلاد اليمن فقال له: إن فلانا الحبر اليهودىّ أرسلنى إليك برسالة، قال كعب: هاتها! فقال: إنه يقول لك: ألم تكن فينا سيّدا شريفا مطاعا؟ فما الذى أخرجك من دينك إلى أمّة محمد؟ فقال له كعب: أتراك راجعا؟ قال: نعم، قال: فإن رجعت إليه فخذ بطرف ثوبه لئلا يفرّ منك وقل له: يقول لك كعب: أسألك بالذى ردّ موسى إلى أمّه، وأسألك بالذى فلق البحر لموسى، وأسألك بالذى ألقى الألواح إلى موسى بن عمران فيها علم كلّ شىء، ألست تجد فى كتاب الله أن أمّة محمد ثلاثة أثلاث، فثلث يدخلون الجنّة بغير حساب، وثلث يدخلون الجنة برحمة الله، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا ثم يدخلون الجنة؛ فإنه سيقول لك: نعم. فقل له: يقول لك كعب: اجعلنى فى أىّ هذه الثلاثة شئت.

ومنه ما رواه عطاء بن يسار وأبو صالح عنه أنه قال: أجد فى التوراة:

أحمد عبدى المختار، لا فظّ، ولا غليظ، ولا صحّاب فى الأسواق، ولا مجز
بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح ويغفر، أمّته الحمّادون؛ يحمدون الله على كلّ حال، ويسبّحونه فى كلّ منزلة، ويكبّرونه على كل شرف، يأتزرون على أوساطهم، ويصونون أطرافهم ، وهم رعاة الشمس، ومؤذّنهم ينادى فى جوّ السماء، وصفّهم فى الصلاة سواء؛ رهبان بالليل، أسد بالنهار، لهم بالليل دوىّ كدوىّ النحل، يصلّون الصلاة حيثما أدركتهم من الأرض؛ مولده مكّة، مهاجره طابة، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الأمّة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح الله به أعينا عميا، وآذانا صمّا، وقلوبا غلفا.

ومنه ما روى أن معاوية بن أبى سفيان قال لكعب: دلّنى على أعلم الناس بما أنزل الله على موسى لأسمع كلامك معه، فذكر له رجلا من اليهود باليمن، فأشخصه إليه، فجمع معاوية بينهما، فقال له كعب: أسألك بالذى فرق البحر لموسى أتجد فى كتاب الله المنزل أن موسى نظر فى التوراة فقال: يا رب إنى أجد أمة مرحومة، وهى خير أمّة أخرجت للنّاس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر ويؤمنون بالكتاب الأوّل ، ويؤمنون بالكتاب الآخر ، ويقاتلون أهل الضلالة، حتى يقاتلوا الأعور الكذّاب، فاجعلهم يا ربّ أمّتى، قال: هم أمّة أحمد؟

قال الحبر: نعم أجد ذلك، ثم قال: كعب للحبر: أنشدك الله الذى فرق البحر لموسى، أتجد فى كتاب الله المنزل أن موسى نظر فى التوراة فقال: رب إنى أجد أمة إذا أشرف أحدهم على شرف كبّر، وإذا هبط واديا حمد الله، الصعيد

لهم طهور، يتطهّرون به من الجنابة كطهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء، حيث كانوا فلهم مسجد، غرّ محجّلون من الوضوء، فاجعلهم أمتى. قال:

هم أمة أحمد؟ فقال الحبر: نعم أجد ذلك؛ قال: أنشدك الله الذى فرق البحر لموسى، أتجد فى كتاب الله المنزل أن موسى نظر فى التوراة فقال: رب إنى أجد أمّة إذا همّ أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة مثلها، وإذا عملها أضعفت له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وإذا همّ بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه، فإذا عملها كتبت عليه سيئة مثلها، فاجعلهم أمّتى، قال: هم أمّة أحمد؟

قال الحبر: نعم، أجد ذلك؛ قال كعب: أنشدك الله الذى فرق البحر لموسى، أتجد فى كتاب الله المنزل أن موسى نظر فى التوراة فقال: يا رب إنى أجد أمّة يأكلون كفّاراتهم وصدقاتهم، إنهم يطعمونها مساكينهم ولا يحرقونها كما كان غيرهم من الأمم يفعل؟. وجاء فى حديث آخر غير هذا ممّا هو منسوب إلى كتب الله السالفة: «يأكلون قرابينهم «١» فى بطونهم» . والمراد الضحايا.

ومنه ما روى عنه أنه قال: كان لأبى سفر من التوراة يجعله فى تابوت ويختم عليه، فلما مات أبى فتحته، فإذا فيه: إن نبيا يخرج فى آخر الزمان هو خير الأنبياء ، وأمّته خير الأمم، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، يكبّرون الله على كل شرف، ويصفّون فى الصلاة كصفوفهم فى القتال، قلوبهم مصاحفهم، يأتون يوم القيامة غرّا محجّلين، اسمه أحمد، وأمته الحمّادون، يحمدون الله على كل شدّة، رخاء، مولده مكة، ودار هجرته طابة، لا يلقون عدوّا إلا وبين أيديهم

ملائكة معهم رماح، تحنّن الله عليهم كتحنّن الطير على فراخها، يدخلون الجنّة؛ يأتى ثلث منهم يدخلون الجنة بغير حساب، ثم يأتى ثلث منهم بذنوب وخطايا، فيغفر لهم، ويأتى ثلث بذنوب وخطايا عظام، فيقول الله: اذهبوا بهم فزنوهم وانظروا إلى أعمالهم، فيزنونهم ويقولون: ربنا! وجدناهم قد أسرفوا على أنفسهم، ووجدنا أعمالهم من الذنوب أمثال الجبال، غير أنهم كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله، فيقول الله: وعزّتى لا أجعل من أخلص لى الشهادة كمن كفر بى؛ قال كعب:

فأنا أرجو أن أكون من هذه الثلاثة إن شاء الله تعالى.

ومنه ما روى أن رجلين جلسا يتحدّثان وكعب الأحبار قريب منهما، فقال أحدهما: رأيت فيما يرى النائم كأن الناس حشروا، فرأيت النبيّين كلّهم لهم نوران نوران، ورأيت لأشياعهم «٥» نورا نورا، ورأيت محمدا صلى الله عليه وسلم وما من شعرة فى رأسه ولا جسده إلا وفيها نور، ورأيت أتباعه ولهم نوران نوران، فقال له كعب: اتق الله تعالى يا عبد الله! وانظر ما تتحدّث به، فقال الرجل: إنما هى رؤيا منام أخبرت بها على ما أريتها، فقال كعب: والذى بعث محمدا بالحق صلى الله عليه وسلم، وأنزل التوراة على موسى بن عمران، إنّ هذا لفى كتاب الله المنزل على موسى بن عمران كما ذكرت.

وأما ما جاء عن أبى ثعلبة وهو أبو مالك،

وكان من أحبار يهود، فقد روى الواقدىّ أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال له: يا أبا مالك! أخبرنى
بصفة النبىّ صلّى الله عليه وسلم فى التّوراة فقال: إن صفته فى توراة بنى إسرائيل «١» التى لم تبدّل ولم تغيّر أحمد، من ولد إسماعيل بن إبراهيم، وهو آخر الأنبياء؛ وهو النبىّ العربىّ، يأتى بدين إبراهيم الحنيف، يأتزر على وسطه، ويغسل أطرافه، فى عينيه حمرة، وبين كتفيه خاتم النبوّة، ليس بالقصير ولا بالطويل، يلبس الشّملة، ويجتزئ بالبلغة ويركب الحمار ، ويمشى فى الأسواق، سيفه على عاتقه، لا يبالى من لقى من الناس، معه صلاة لو كانت فى قوم نوح ما أهلكوا بالطّوفان، ولو كانت فى قوم عاد ما أهلكوا بالرّيح، ولو كانت فى ثمود ما أهلكوا بالصّيحة، مولده مكّة، ومنشؤه وبدء نبوّته بها، ودار هجرته يثرب بين لابتى حرّة ونخل وسبخة، وهو أمّىّ لا يكتب ولا يقرأ المكتوب، وهو الحمّاد يحمد الله على كلّ شدّة ورخاء، سلطانه بالشام، وصاحبه من الملائكة جبريل، يلقى من قومه أذى شديدا، ثم يدال عليهم فيحصدهم حصدا، تكون له وقعات بيثرب، منها له ومنها عليه، ثم له العاقبة، معه قوم هم إلى الموت أسرع من الماء من رأس الجبل إلى أسفله، صدورهم أناجيلهم، وقربانهم دماؤهم، ليوث النهار رهبان الليل، يرعب عدوّه منه مسيرة شهر، يباشر القتال بنفسه حتى يجرح ويكلم، لا شرطة معه ولا حرس، الله يحرسه.

وكان من هؤلاء أيضا عبد الله بن سلام ومخيريق 

وسنذكر أخبارهما إن شاء الله تعالى عند ذكر إسلامهما بعد الهجرة على ما تقف عليه هناك.

هذه رواية من أسلم من أهل الكتاب.

وأما من بشّر به صلى الله عليه وسلم من أهل الكتابين ممّن لم يسلم ظاهرا،

ولا علم لهم إسلام، ومن أقرّ بنبوّته صلى الله عليه وسلم ولم يدر له مكان.

فمن هؤلاء من بشّر به وأخبر بنبوّته قبل مولده، ومنهم من ذكر ذلك حال مولده لقرائن كان يرقب وقوعها تدلّ على مولده فوقعت؛ ومنهم من بشّر به فى حال طفوليّته، ومنهم من بشّر به قبل مبعثه، ومنهم من ذكر صفته بعد مبعثه ورؤيته له، وذكّر قومه بها وحقّق عندهم أنه هو، ودليل كلّ منهم ما كان يجده عنده من أخباره فى الكتب السالفة التى تلقّاها عن أسلافه، ومنهم من أظهر صحفا كانت عنده فيها صريح ذكره وصفته، ومنهم من أظهر تمثال صورته، وصور بعض أصحابه وهيئتهم، وكان ذلك مصوّرا فى بيوت فى بيعهم على ما تذكر ذلك مسهبا إن شاء الله.

فأما من بشّر به وأخبر بنبوّته وصفته صلّى الله عليه وسلم قبل مولده؛

فمن ذلك ما حكاه ابن إسحاق فى خبر تبّع الأوّل

قال: وكان من الخمسة الذين كانت لهم الدنيا بأسرها، وكان له وزراء، واختار منهم واحدا، وأخرجه معه، وكان يسمّى عمار يشا، وأخذه لينظر فى مملكته، وخرج معه مائة ألف من الفرسان، وثلاثة وثلاثون ألفا، ومائة ألف وثلاثة عشر ألفا من الرّجّالة، وكان إذا أتى بلدة يختار منها عشرة رجال من حكمائها، حتى جاء إلى مكة، فكان معه مائة ألف رجل من العلماء والحكماء الذين اختارهم من البلدان، فلم يهبه أهل مكة ولم يعظّموه، فغضب لذلك، ثم دعا وزيره عمار يشا وقال: كيف شأن أهل هذه البلدة؟ فإنهم لم يهابونى، ولم يخافوا عسكرى، فقال: أيها الملك إنهم قوم عرب جاهلون لا يعرفون شيئا، وإن لهم بيتا يقال له كعبة، وهم معجبون بهذا البيت، وهم قوم يعبدون الطّواغيت، ويسجدون للأصنام. فقال الملك:

وهم معجبون بهذا البيت؟ قال: نعم، فنزل بعسكره ببطحاء مكّة، وفكر فى نفسه دون الوزير، وعزم على هدم الكعبة، وتسميتها خربة، وأن يقتل رجالهم، ويسبى نساءهم، فأخذه الله بالصّداع، وتفجّر من عينيه وأذنيه ومنخريه وفمه ماء منتن، فلم يصبر عنه أحد طرفة عين من نتن الريح، فاستيقظ لذلك وقال لوزيره: اجمع العلماء والحكماء والأطبّاء وشاورهم فى أمرى، فاجتمع عنده الأطبّاء والعلماء والحكماء، فلم يقدروا على المقام عنده، ولم يمكنهم مداواته، فقال: إنى جمعت الأطبّاء والعلماء والحكماء من جميع البلدان، وقد وقعت فى هذه الحادثة ولم يقدروا على مداواتى، فقالوا بأجمعهم: إنا نقدر على مداواة ما يعرض من أمور الأرض، وهذا شىء من السماء لا نستطيع ردّ أمر السماء، ثم اشتدّ أمره، وتفرّق الناس عنه، ولم يزل أمره فى شدّة حتى أقبل الليل، فجاء أحد العلماء إلى الوزير وقال: إن بينى وبينك سرا، وهو إن كان الملك يصدقنى فى حديثه عالجته، فاستبشر الوزير بذلك وأخذ بيده، وحمله إلى الملك، وأخبره بما قال الحكيم، وما التمسه من صدق الملك، حتى يعالج علّته، فاستبشر الملك بذلك، وأذن له فى الدّخول، فلما دخل قال: أريد الخلوة، فأخلى له المكان، فقال: نويت لهذا البيت سوءا؟ قال: نعم؛ إنى نويت خرابه، وقتل

رجالهم، وسبى ذراريّهم، فقال له: إنّ وجعك وما بليت به من هذا. اعلم أن صاحب هذا البيت قوىّ يعلم الأسرار، فبادر وأخرج من قلبك ما هممت به من أذى هذا البيت ولك خير الدنيا والآخرة، قال الملك: أفعل، قد أخرجت من قلبى جميع المكروهات، ونويت جميع الخيرات، فلم يخرج العالم من عنده حتى برئ من علّته، وعافاه الله بقدرته، فآمن بالله من ساعته، وخرج من منزله صحيحا على دين إبراهيم عليه السلام، وخلع على الكعبة سبعة أثواب، وهو أوّل من كسا الكعبة، ودعا أهل مكة، وأمرهم بحفظ الكعبة، وخرج إلى يثرب، وهى يومئذ بقعة فيها عين ماء ليس فيها بيت مبنىّ ولا بناء، فنزل على رأس العين هو وعسكره وجميع العلماء الذين كانوا معه، ومعهم رئيسهم عماريشا الذى كان يرى برأيه.

ثم إن العلماء والحكماء اجتمعوا، وكانوا أربعة آلاف، فأخرجوا من بينهم أربعمائة هم أعلمهم، وبايع كلّ واحد منهم صاحبه أن لا يخرجوا من ذلك المقام وإن ضربهم الملك أو قتلهم، فلما علم الملك ما قد عزموا عليه، قال للوزير: ما شأنهم يمتنعون عن الخروج معى، وأنا محتاج إليهم؟ وأىّ حكمة فى نزولهم فى هذا المكان، واختيارهم إياه على سائر النّواحى، فلما أتاهم الوزير وسألهم عما عزموا عليه، واختيارهم المقام بهذه البقعة، قالوا له: أيها الوزر! إن شرف ذلك البيت، وشرف هذه البقعة التى نحن فيها بشرف رجل يبعث فى آخر الزمان، يقال له محمد ووصفوه، ثم قالوا: طوبى لمن أدركه وآمن به، وقد كنا على رجاء أن ندركه أو يدركه أولادنا، فلما سمع الوزير مقالتهم همّ بالمقام معهم، فلما جاء وقت الرحيل أمرهم الملك أن يرتحلوا، فقالوا: لا نفعل، وقد أعلمنا الوزير بحكمة مقامنا، فدعا الوزير فأخبره بما سمع منهم، فتفكّر الملك وهمّ أن يقيم معهم سنة رجاء أن يدرك محمدا صلى الله عليه وسلم، فأقام وأمر الناس أن يبنوا أربعمائة دار، لكل رجل من العلماء دار، واشترى لكل واحد منهم جارية وأعتقها وزوّجها برجل منهم، وأعطى كلّ واحد منهم عطاء جزيلا، وأمرهم أن يقيموا فى ذلك الموضع إلى أن يجىء زمان النبى صلى الله عليه وسلم، ثم كتب كتابا وختمه بخاتم من ذهب، ودفعه إلى العالم الكبير، وأمره أن يدفع الكتاب إلى محمد صلى الله عليه وسلم إن أدركه، وإلا أوصى به أولاده بمثل ما أوصاه به، وكذلك أولاده حتّى ينتهى أمره إلى محمد صلى الله عليه وسلم. وكان فى الكتاب: أما بعد فانى آمنت بك وبكتابك الذى أنزل عليك، وأنا على دينك وسنّتك، وآمنت بربك وربّ كلّ شىء، وآمنت بكل ما جاء من ربّك من شرائع الإيمان والإسلام، فإن أدركتك فبها ونعمت، وإن لم أدركك فاشفع لى، ولا تنسنى يوم القيامة، فإنى من أمّتك الأوّلين؛ وتابعيك «١» قبل مجيئك، وأنا على ملّتك وملّة أبيك إبراهيم عليه السلام. ثم ختم الكتاب ونقش عليه:

(لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ)

وكتب على عنوانه إلى محمد بن عبد الله نبىّ الله ورسوله، وخاتم النبيين، ورسول رب العالمين، صلّى الله عليه وسلّم، من تبّع الأوّل حمير بن حمير ابن وردع «٢» أمانة لله فى يد من وقع اليه إلى أن يوصله إلى صاحبه، ودفع الكتاب إلى الرجل العالم الذى أبرأه من علّته. وصار تبّع من يثرب حتى مات بقلسان من بلاد الهند.

وكان من اليوم الذى مات فيه تبّع الى اليوم الذى بعث فيه النبى صلى الله عليه وسلم ألف سنة لا تزيد ولا تنقص، وكان الأنصار الذين نصروا النبى صلى الله عليه وسلم من أولاد أولئك العلماء والحكماء، فلما هاجر النبى صلى الله عليه وسلم الى المدينة، سأله أهل القبائل أن ينزل عليهم على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى؛ فكانوا يتعلّقون بناقته وهو يقول: خلّوا الناقة فإنها مأمورة، حتى جاءت الى دار أبى أيّوب، وكان من أولاد العالم الذى أبرأ تبعا برأيه. قال ابن إسحاق: واستشار الأنصار عبد الرحمن بن عوف فى إيصال الكتاب الى النبى صلى الله عليه وسلم لمّا ظهر خبره قبل هجرته، فأشار عبد الرحمن أن يدفعوه الى رجل ثقة، فاختاروا رجلا يقال له أبو ليلى وكان من الأنصار، فدفعوا الكتاب إليه وأوصوه بحفظه، فأخذ الكتاب وخرج من المدينة على طريق مكة، فوجد النبىّ صلى الله عليه وسلم فى قبيلة من بنى سليم، فعرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاه وقال: أنت أبو ليلى؟ فقال: نعم، قال: معك كتاب تبّع الأول؟ قال: نعم، فبقى الرجل متفكّرا، وقال فى نفسه: إن هذا من العجائب، ثم قال له أبو ليلى: من أنت، فإنى لست أعرفك؟ إن فى وجهك أثر السحر، وتوهمّ أنه ساحر، فقال له:

بل أنا محمد رسول الله، هات الكتاب، فأخرجه ودفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذه النبى صلى الله عليه وسلم ودفعه الى علىّ كرم الله وجهه، فقرأه عليه، فلما سمع النبى صلى الله عليه وسلم كلام تبّع قال: مرحبا بالأخ الصالح ثلاث مرّات، ثم أمر أبا ليلى بالرجوع الى المدينة، فرجع وبشّر القوم بقدوم النبى صلى الله عليه وسلّم.

ومن ذلك ما روى أن أبا كرب تبان بن أسعد ملك اليمن أحد التبابعة

لما قصد بلاد الشرق، جعل طريقه على يثرب، فلم يهج أهلها، وخلّف بين أظهرهم ابنا له، فقتل غيلة، فقدمها وهو مجمع لإخرابها واستئصال أهلها وقطع نخلها، فجمع له أهل المدينة ورئيسهم يومئذ عمرو بن طلّة أحد بنى النجار؛ وهو عمرو بن معاوية بن عمرو بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن النجّار، وطلّة أمّه؛ وهى بنت عامر بن زريق بن عامر بن زريق بن عبد حارثة.

عام الفيل

ولد فى عام الفيل وهو ذلك العام الذى حاول أبرهة الحبشى وجيشة غزو مكة المكرمة وهدم الكعبة، ولكن الله تعالى بعث عليهم طيور من سجيل وهزيمتهم، وبعد تلك الحادثة بحوالي عامين يوم ولد رسول الله وأضاء الكون بنوره.

قبل مولده،
رأت أمه "آمنة بنت وهب" نورًا يخرج منها أضاء العالم بأكمله ، فبشرها المفسرون بأنها تحمل في أحشائها طفلا سيكون له شأن عظيم.

ولادة النبى محمد ﷺ
ولد سيدنا محمد، عليه الصلاة والسلام، في يوم الاثنين
الثاني عشر من شهر ربيع الأول، في عام الفيل سنة 570 ميلاديا في مكة. وولد يتيما إذ توفي والده عبد الله بن عبد المطلب قبل ستة أشهر من مولده عليه الصلاة والسلام.

نشأة علية السلام
ولد سيدنا محمد يتيم الأب وحينما بلغ من العمر ست سنوات توفيت والدته وتحمل مسئوليته جده عبد الله.

حليمة السعدية

كانت حليمة السعدية مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد كان مصدرا للبركة في حياتها ورزقها الله الخير كله طوال فترة بقائه عندها في البادية. لذلك طلبت من أمّه السماح لها أن تبقيه معها بعد أن بلغ العامين من عمره لما عهدته من الخير في وجوده .

ولكنها أضطرت لإعادته إلى امه بعد حادثة شق الصدر إذ أتى للنبي صلى الله عليه وسلم رجلان ذوي ثيابٍ بيضاء شقّا صدره واستخرجا منه علقةً سوداء ، فخافت حليمة عليه وقررت إعادته إلى أمه.

وفاة والدتة
توفيت والدته وهى "آمنة بنت وهب" قبل أن يتجاوز عمره الستة سنواتٍ، وكان أثناء عودتها من زيارة أخوال النبى محمد ﷺ من بني النجار ، في منطقة الأبواء بين مكة المكرمة والمدينة المنورة.

عبد المطلب جد النبى محمد ﷺ
وانتقلت كفالته لجدّه عبد المطلب، حيث تولى عبد المطلب، وكان جده يحبه كثيرا ويقربه منه فكان لا ينام إلا والنبي صلى الله عليه وسلم بجانبه، ولا يخرج إلا بصحبته، وحتى صار ﷺ فى الثانية عشر من العمر، وقيل ثمان سنوات وتوفي جده، عبد المطلب

أبو طالب عم النبى محمد ﷺ
لكن وقبل وفاته كان قد عهد إلى عمه بكفالته النبى محمد ﷺ، عم الرسول الى أبي طالب حيث انتقلت كفالة سيدنا محمد ﷺ الية، وعاش فى بيت عمه، وتكفل به وأحسن تربيته، حتى لقبه قبيلة بالصادق الأمين،

عمل النبى محمد ﷺ
بدء رسول الله ﷺ العمل في سن صغير فبدأ في رعاية الأغنام،
(ما بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إلَّا رَعَى الغَنَمَ، فقالَ أصْحابُهُ: وأَنْتَ؟ فقالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أرْعاها علَى قَرارِيطَ جزء من الدينار والدرهم لأهْلِ مَكَّةَ)

عمله بالتجارة وزواجه من خديجة
ثم قام عمه أبو طالب بتعليمة قواعد التجارة واشتغل صلى الله عليه وسلم بالتجارة وأصبح يرافق عمه في القوافل التجارية، وفي إحدى الرحلات أخبر أحد رهبان النصارى أبا طالب أنّ ابن أخاه سيكون له شأنٍ عظيم وطلب منه الانتباه إليه، حتى بلغ سيدنا محمد مرحلة الشباب وطيلة حياته لم يسجد لصنم وكان لا يأكل من اللحم الذي كان يُذبح للأصنام وعرف عنه ولقبة قومة بالصادق الأمين،

خروج النبى الى الشام للمرة الثانية وحديث نسطور
ذكر خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشام المرة الثانية فى التجارة وحديث نسطور

حضر خروجها إلى الشام، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالا من قومك فى عيراتها ، فلو جئتها فعرضت نفسك عليها لأسرعت إليك؛ وبلغ خديجة ذلك، فأرسلت إليه تقول: أنا أعطيك ضعف ما أعطى رجلا من قومك، فقال أبو طالب: هذا رزق ساقه الله إليك، فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومعه ميسرة غلام خديجة، وجعل عمومته يوصون به أهل العير، فساروا حتى قدموا بصرى ، فنزلا فى ظلّ شجرة، فقال نسطورا الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قطّ إلّا نبىّ. ثم سأل ميسرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أفى عينيه حمرة ؟ قال: نعم لا تفارقه؛ قال: هو نبىّ ، وهو آخر الأنبياء؛ ثم باع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سلعة فوقع بينه وبين رجل تلاخ، فقال له: احلف باللّات والعزّى، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما حلفت بهما قطّ، وإنّى لأمرّ فأعرض عنهما، فقال الرجل القول قولك، ثم قال لميسرة : هذا والله نبىّ تجده أحبارنا منعوتا فى كتبهم؛ وكان ميسرة إذا كانت الهاجرة واشتدّ الحرّيرى ملكين يظلان رسول الله صلّى الله عليه وسلم من الشمس، فوعى ذلك كلّه، وباعوا تجارتهم، وربحوا ضعف ما كانوا يربحون؛ فلما رجعوا وكانوا بمرّ الظّهران قال ميسرة: يا محمّد! انطلق إلى خديجة فأخبرها
بما صنع الله على وجهك ، فإنّها تعرف [لك ] ذلك، فتقدّم رسول الله صلّى الله عليه وسلم حتى دخل مكّة فى ساعة الظّهيرة وخديجة فى علية لها، فرأت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بعيره، وملكان يظلّان عليه، فأرته نساءها، فعجبن لذلك، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها فخبّرها بما ربحوا فى وجههم ذلك، فسّرت به، فلمّا دخل ميسرة عليها أخبرته بما رأت، فقال: قد رأيت هذا مذ خرجنا من الشام، وأخبرها بما قال نسطورا، وبما قال الآخر الذى حالفه فى البيع، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتجارتها، فربحت ضعف ما كانت تربح، وأضعفت له ما سمّت له. والله المعين.


ذكر تزويج رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد

قال الواقدى بسند يرفعه إلى نفيسة بنت منية، قالت: كانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصىّ امرأة حازمة جلدة شريفة لبيبة؛ وهى يومئذ أوسط  قريش نسبا، وأعظمهم شرفا، وأكثرهم مالا، وكلّ قومها كان حريصا على نكاحها لو قدر على ذلك، قد طلبوها وبذلوا لها الأموال؛ فأرسلتنى دسيسا إلى محمد بعد أن رجع فى عيرها من الشام، فقلت: يا محمد، ما يمنعك أن تتزوّج؟ فقال: ما بيدى ما أتزوّج به، قلت: فإن كفيت ذلك، ودعيت إلى الجمال والمال والشّرف والكفاءة ألا تجيب؟ قال: فمن هى؟ قلت خديجة، قال: وكيف لى بذلك؟

قلت علىّ ، فأنا أفعل، فذهبت فأخبرتها، فأرسلت إليه: أن ائت لساعة كذا وكذا، وأرسلت إلى عمّها عمرو بن أسد ليزوّجها. وقيل: إنّها أرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول: يا بن العمّ! إنى قد رغبت فيك لقرابتك منّى، وشرفك فى قومك، وسطتك وأمانتك عندهم، وحسن خلقك وصدق حديثك؛ ثم عرضت نفسها عليه، فذكر رسول الله صلّى الله عليه وسلم ذلك لأعمامه، فخرج معه حمزة ابن عبد المطّلب حتى دخل على خويلد بن أسد، وقيل: بل عمرو بن خويلد بن أسد، وقيل: بل عمرو بن أمية عمّها، وكان شيخا كبيرا وهو الصحيح، فخطبها إليه. قيل: وحضر أبو طالب ورؤساء مضر، فخطب أبو طالب فقال:

«الحمد لله الذى جعلنا من ذرّية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضىء معدّ، وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته، وسوّاس حرمه، وجعل لنا بيتا محجوجا، وحرما آمنا، وجعلنا الحكّام على الناس؛ ثم إن ابن أخى هذا محمد بن عبد الله، لا يوزن به رجل إلا رجح به، فإن كان فى المال قلّ فإن المال ظلّ زائل، وأمر حائل، ومحمد من قد عرفتم قرابته؛ وقد خطب خديجة بنت خويلد، وبذل لها من الصّداق ما آجله وعاجله من مالى كذا، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم، وخطب جليل  فتزوّجها صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وعشرين سنة وشهرين وعشرة أيام، وخديجة يومئذ بنت ثمان وعشرين سنة، وقيل: بنت أربعين سنة، وأصدقها صلى الله عليه
وسلم ثنتى عشرة أوقية ونشّا ذهبا؛ الأوقية أربعون، والنّشّ عشرون، فذلك خمسمائة درهم.

وروى ابن هشام : أنه أصدقها صلى الله عليه وسلم عشرين بكرة.

المصدر

كتاب نهايه الآرب فى فنون الأدب 

ص٩٩

ذكر حضور رسول الله هدم الكعبة

قال: ولمّا بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين سنة قال له عمّه أبو طالب: أنا رجل لا مال لى، وقد اشتدّ الزمان علينا، وهذه عير قومك قد

وكانت قريش تقوم بتجديد بناء الكعبة لحمايتها من السيول، واختلفوا من يعيد الحجر الأسود لمكانه، واتفقوا على قبول حكم أول من يمر بهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم

وكان رأيه أن يضع هو الحجر الأسود على ثوبٍ ثم تمسك كل قبيلة طرف منه حتى يتم وضعه في مكانه، وقبلوا بحكمه، وشارك أيضا في وضع الحجر وبذلك شارك الرسول في بناء الكعبة، واستطاع التوفيق بينهم لما كان له من الحكمة والذكاء والفطنة حتى صار كبار قوم قريش يأخذوا منه الشورى في أعمالهم لما عرف عنه من الذكاء والفطنة، والأمانة، وكان أثرياء قريش يأمنوه على أموالهم ويطلبون منه أن يتاجر لهم وكانت خديجة بنت خويلد رضي الله عنها،  ذات نسب شريف ولها مال كثير تتاجر به، ولما سمعت عن أمانة وخلق النبي صلى الله عليه وسلم طلبت منه أن يتاجر لها بأموالها مقابل أجر.

رحلة الشتاء والضيف

رحلة النبى محمد ﷺ إلى الشام

زواج النبى من خديجة:
أعجبت السيدة خديجة بأخلاق النبي، صلى الله عليه وسلم، وتمنت الزواج منه، وأرسلت صديقتها نفيسة بنت منبه، فأخبرت صلى الله عليه وسلم برغبة السيدة خديجة في الزواج منه، ولما أخبر قومه خطبها إليه عمه حمزة بن عبد المطلب من من خويلد بن أسد، وكانت السيدة خديجة تبلغ من العمر أربعين عامًا والنبي صلى الله عليه وسلم في سن الخامسة والعشرين من عمره، وأنجبت له ولدين وأربعة بنات هم: (القاسم، عبد الله، زينب، رقية، ام كلثوم، فاطمة).

نزول الوحي على سيدنا محمد
في مكة المكرمة في يوم من الأيام، وفي مكان الذي ولد فيه الرسول عليه الصلاة والسلام أمر الله الوحي بنزول على سيدنا محمد وكان ذلك خلال شهر رمضان المبارك في ليلة القدر، أمر الله جبريل بالنزول على سيدنا محمد وهو في غار حراء، وكان سيدنا محمد دائما يذهب إلى غار حراء، يتعبد ويفكر في جمال الكون ودائما ويسأل من خلق ذلك لكون الجميل ورفع السماء بدون أعمدة.
وعندما نزل الوحي على سيدنا محمد تصدق بوجود الله وبدأ في نشر الإسلام وكانت الدعوة في بداية الأمر سرية.

توالى نزول الوحي على النبي محمد ﷺ، 
حيث أمره الله تعالى بدعوة الناس كافة إلى عبادته وحده لا شريك له، ونبذ عبادة الأصنام.

أول من أمن بالنبى
فأمنا به الأقرباء منه وكان أول من أمن به وبدعوتة من النساء زوجته السيدة خديجة ، من أمن من الرجال صديقه الحميم "أبو بكر بالصديق" رضي الله عنه وعرف بالصديق لأنه صدق سيدنا محمد وأمن بالإسلام، وقام بمساعدة الرسول في نشر الإسلام،

ومن الفتيان صدقه ابن عمة، "على بن أبى طالب"،

الدعوة إلى الإسلام سراً
وبدئت الدعوة إلى الإسلام سراً، لمدة ثلاث سنوات
حتى أمر الله عز وجل رسولنا الكريم أن تصبح دعوة جهرية.

وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الإسلام سرا لمدة ثلاثة سنوات، وكان يجتمع بأصحابه في دار الأرقم بن أبي الأرقم، وكان عُمره فى ذلك الوقت ستة عشر عاما، وكانت أعداد المسلمين تزداد حتى وصل عدد من دخلوا في الإسلام في هذه المرحلة 60، ثم بعد ذلك انتقلت الدعوة إلى المرحلة الجهرية.

الجهر بالدعوة إلى الإسلام
وجاء الأمر بالجهر بالدعوة بعد ثلاث سنوات من بداية نزول الوحي، حيث أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصدع بالحق، كما جاء في الآية  الكريمة 

{ فَاصدع بِما تؤمر وأعرض عن المشركين }[الحجر : 94]

فأطاع رسولنا الجليل أمر الله تعالى، وذهب إلى جبل التقوى الصفا، فصعد عليه الصلاة والسلام وأخذ ينادي اعبدوا الله وتركوا عبادة الأصنام، وأن الله واحد أحد فرد صمد ولا نعبد غيره، ولكنة تعرض للعديد من الأمور الصعبة وأذى شديد من المشركين للمسلمين.


تعرضة وأصحابة للأذى 
بعد أن أصبحت الدعوة الإسلامية جهرية، تعرض المسلمون إلى أذى كبير وتعذيب مبرح، وحاولوا الكفار قتل سيدنا محمد أكثر من مرة، لذلك أمر الله تبارك وتعالى الهجرة من مكة إلى المدينة، وبالفعل نفذ سيدنا محمد أوامر الله،-

وقد روى ابن عباس رضي الله عنهما: لما نزل
قوله تعالى: { وأنذر عشيرتك الأقربين }
وصعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا ، ونادى:
( يا بني فهر يا بني عديٍّ - لبطون قريش - حتى اجتمعوا فجعل الذي لم يستطع أن يخرج يرسل رسولاً لينظر ما هو الخبر ؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصِّدقي؟
قالوا ما جربنَّا عليك كذباً، قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال له أبو لهب: تباً لك ألهذا جمعتنا ) متفق عليه

وواجه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم  العداوة من قريش، وبدأ سادتها يضطهدون أتباعه وينكلون بهم، كما آذوا النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا ، لكنه استمر في نشر دعوته.

ورفض صلى الله عليه وسلم الدعاء عليهم راجيا من الله هدايتهم. بينما وهو مستريح بالبستان أرسل ("عتبة" و"شيبة" ابني ربيعة") غلاما نصرانيا يدعى "عداس" ببعض العنب، ودار حديث بينهما أسلم بعده عداس وكان سفيرا للدعوة بين أهله

الهجرة
كانت هجرة المسلمين من مكة على مراحل، وبعد أن ازاد عزاب وإيذاء المشركين له ولاصحابة من المؤمنين، أمرهم النبى محمد ﷺ بالهجرة

هجرة الصحابة إلى الحبشة
لما اشتد أذى قريش للنبي وأصحابه، سمح لهم بالهجرة إلى بلاد الحبشة لأن فيها ملكاً لا يظلم أحد فخرج اثني عشر رجلاً وأربعة نساء، وكان بين المهاجرين سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، وزوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم،

لكن قريش لم تتركهم، بل أرسلت خلفهم "عمرو بن العاص" و"عبد الله بن أبي ربيعة" بهدايا للنجاشي وهو ملك الحبشة ليطلب منه ردّ المسلمين إليهم لمعاقبتهم على ترك دين الأجداد, ورفض النجاشي وطلب الاستماع للمسلمين، وتحدث سيدنا "جعفر بن أبي طالب" عن دين الإسلام وتعاليمه وأنه جاء ليخرجهم من الظلمات إلى النور ويأمرهم بترك الرذائل واتباع محاسن الأخلاق, وطلب سماع بعض آيات القرآن، فقرأ عليه أول سورة مريم، فبكى النجاشي وجمي الأساقفة،
ثم قال: إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء بها موسى، انطلقوا راشدين.

إلّا أنّ رسولا قريش عادا إلى النجاشي ثانية زاعمين أن المسلمين يتقولون على "عيسى بن مريم عليه السلام"، فطلب سماع رأي المسلمين بعيسى فأخبروه بتصديق النبي له وإيمانهم به عليه السلام، فرد النجاشي عمرو وعبد الله.


هجرة الصحابة إلى يثرب (المدينة المنورة)
وبعد دخول الناس فى الاسلام والدعوة إلية جهراً زاد عزاب المشركين وإيذائهم لهم، فأمرهم النبى محمد ﷺ بالهجرة إلى يثرب،

هجرة النبى محمد ﷺ إلى يثرب
هاجر النبى محمد ﷺ إلى المدينة المنورة بعد أن استغرقت الدعوة إلى الإسلام في مكة ثلاثة عشر عامًا ، ثم أمر الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام بالهجرة إلى المدينة المنورة للحفاظ على دينهم وإقامة دولة الإسلام على أسس الشريعة.

وترك النبي عليه صلوات الله وسلامه داره في ليلة 27 صفر في السنة الـ 14 من البعثة ومعه "أبا بكر الصديق رضي الله عنه" ، وترك "علي بن أبي طالب رضي الله عنه" مكانه ليؤدي ودائع الناس وأماناتهم التي تركوها عنده صلى الله عليه وسلم، وانطلق الرسول والصديق قاصدَين غار ثور، بينما كان زعماء الكفر في قريش قد اتفقوا على أن يأخذوا من كل قبيلةٍ شاباً ويضربون الرسول ضربة رجلٍ واحدٍ؛ فيقتلوه ويتفرق دمه بين

القبائل، لكن باءت خططهم بالفشل ونجا الله تعالى نبيه.


هجرة النبى محمد ﷺ إلى يثرب

بعد رحلة شاقة وصل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، إلى المدينة المنورة واستقبله أهلها بالترحاب والفرح، وبدأت مرحلة تأسيس الدولة في المدينة ببناء مسجد على أرضٍ اشتراها من غلامين يتيمين. كما آخى رسول الله بين المهاجرين والأنصار من المسلمين.

ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم وثيقةً سميت بوثيقة المدينة، وتعتبر من أقدم الدساتير وأكثرها شمولا، إذ تضمنت قوانين ومباديء تنظيم الحقوق والواجبات بين كل من يسكن المدينة من المهاجرين والأنصار وكذلك اليهود وأيضا شئون الدولة من الداخل والخارج.

وهناك رأى ترحيب شديد للمسلمين وقام ببناء دولة إسلامية عظيمة، وأسلم العديد من الفتيات الأقوياء، مثل عثمان بن عفان وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وخالد بن الوليد، وغيرهم من الفتيان الذي أعتز بيهم دين الإسلام،


ذكر خبر الشاة التى سمّ فيها رسول الله ﷺ  

وكان ذلك فى غزاة خيبر،
بعد أن افتتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه لما افتتح خيبر وحصونها واطمأنّ، أهدت إليه زينب ابنة الحارث امرأة سلام بن مشكم وهى ابنة أخى مرحب الذى بارز يوم خيبر، وقتل- على ما نذكره إن شاء الله- شاة مصليّة، وقد سألت: أىّ عضو من الشاة أحبّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقيل لها: الذّراع، وأكثرت فيها السّمّ، ثم سمّت سائر الشاة، ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم تناول الذراع، فلاك منها مضغة فلم يسغها، وكان معه بشر بن البراء بن معرور، فأخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما بشر فأساغها، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلفظها.

وروى الشيخ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقىّ فى دلائل النبوّة أنه صلى الله عليه وسلم أساغها، ثم قال لأصحابه: «ارفعوا أيديكم فإنّ كتف هذه الشاة يخبرنى أنها قد بغيت فيه ، قال بشر بن البراء: والذى أكرمك لقد وجدت ذلك فى أكلتى التى أكلت، فما منعنى أن ألفظها إلا أنى أعظمت أن أنغصك طعامك، فلما أسغت ما فى فيك لم أكن لأرغب بنفسى عن نفسك، ثم دعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعترفت، فقال: «ما حملك على ذلك» ؟ قالت: بلغت من قومى ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان ملكا استرحت منه، وإن كان نبيا فسيخبر، فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات بشر بن البراء. والصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قتلها، قيل: سلّمها لأولياء بشر بن البراء فقتلوها. والله تعالى أعلم.

وحيث ذكرنا من سيرته صلى الله عليه وسلم ما ذكرناه، فلنذكر هنا حوادث السنين بعد الهجرة خلا الغزوات والسّرايا والوفود، فإنا نورد ذلك إن شاء الله تعالى فيما بعد على ما تقف عليه.

ذكر الحوادث بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة النبوية على حكم السنين؛ من السنة الأولى إلى السنة العاشرة خلا ما استثنيناه، وقدّمناه


غزوات رسول الله ﷺ
الغزوات التي خاضها الرسول الكريم خاض سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، العديد من الغزوات لنشر دين الإسلام في جميع بقاع الأرض، من بينها غزوات أنتصر بها ومن بينها غزوات انهزم بها ومن بين تلك الغزوات:

غزوة أحد.
غزوة بدر.
أيضا غزوة بواط.
غزوة بني سليم.
غزوة بحرين.
أيضا غزوة حمراء الأسد.
غزوة بني النضير.
غزوة قرة.
أيضا غزوة الحديبية.
غزوة مؤتة.
أيضا غزوة الفتح العظيم.
غزوة وادي القرى.


غزوة تبوك وغيرها من الغزوات الأخرى.

الغزوات في قصة سيدنا محمد ومابها من حروب فكانت إما حرب المسلمين ضد المشركين، إما لصد العدوان أو دفع الضرر، أو لنقض عهد من غير المسلمين،

بلغ عدد غزوات رسول الله ﷺ، سبعة وعشرون غزوة، بينما يرى بعض العلماء أنّها 26 غزوة، فالأمر موضع خلاف بينهم. وهذه الغزوات هي:

غزوة الأبواء، بواط سفوان، غزوة العشيرة، غزوة بدر، غزوة الكدر، غزوة بني قينقاع، غزوة السويق، غزوة ذي أمرَّ، غزوة الفرع، غزوة أحد، حمراء الأسد، غزوة بني النضير، غزوة بدر الآخرة أو الموعد، غزوة دُومة الجندل، غزوة بني المصطلق، غزوة الأحزاب، غزوة بني قريظة، غزوة بني لحيان، غزوة الحديبية، غزوة ذي قرد، غزوة خيبر. غزوة ذات الرقاع، غزوة فتح مكة، غزوة حنين، غزوة الطائف، غزوة تبوك.

وأشهر الغزوات 

غزوة بدر الكبرى
كانت في السنة الثانية من الهجرة، وتحديدا  في السابع عشر من شهر رمضان، كانت أحداث غزوة بدر أولى الغزوات ، كان عدد المسلمين ثلاثمئةٍ وثلاثة عشر رجلاً، وكان النصر فيها للمسلمين وقتل سبعين من المشركين . كما تم أسر سبعين آخرين وافتدتهم قريش بالمال بعد ذلك.

غزوة أحد
ثاني الغزوات الشهيرة في قصة سيدنا محمد حقيقية كاملة كتابة، بعد ذلك كانت غزوة أحد في السنة الثالثة من الهجرة، وكان عدد المشركين ثلاثة آلاف بينما عدد المسلمين سبعمئة رجل ونتيجة لخطأ الرماة وتركهم أماكنهم على الجبل، لم يتمكن المسلمون من تحقيق النصر، وقد تناولها القرآن الكريم بالتفصيل.

غزوة بني النّضير : وسببها نقض يهود بني النضير عهدهم مع الرسول  فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن أبعدهم عن المدينة وأمر مغادرتهم لها.

غزوة الأحزاب أو الخندق
كانت في السنة الخامسة من الهجرة،  وكانت بتحريض بني النضير لقريش على قتال المسلمين. وكان حفر الخندق بناء على رأي الصحابي سلمان الفارسي وانتهت بانتصار المسلمين.

كانت غزوة بني قريظة
في السنة الخامسة للهجرة بعد غزوة الخندق،  بسبب نقض يهود بني قريظة العهد مع النبي. وفيها تم حصار اليهود لمدة خمسة وعشرين ليلة، حتى انصاعوا لأمر رسول الله وخرجوا من المدينة.

غزوة الأحزاب أو الخندق
كانت في السنة الخامسة من الهجرة،  وكانت بتحريض بني النضير لقريش على قتال المسلمين. وكان حفر الخندق بناء على رأي الصحابي سلمان الفارسي وانتهت بانتصار المسلمين.

غزوة بني قريظة
كانت غزوة بني قريظة في السنة الخامسة للهجرة بعد غزوة الخندق، بسبب نقض يهود بني قريظة العهد مع النبي. وفيها تم حصار اليهود لمدة خمسة وعشرين ليلة، حتى انصاعوا لأمر رسول الله وخرجوا من المدينة.

صلح الحديبية

وقع صلح الحدبية في السنة السادسة للهجرة من شهر

ذي القعدة، حيث خرج النبي عليه الصلاة والسلام بالمسلمين لأداء العمرة، وأحرموا ووصلوا إلى الحديبية فمنعتهم قريش من دخول مكة . فأرسل إليهم الرسول عثمان بن عفان يخبرهم بانهم جاءو للعمرة، ولما تأخر أُشيع أنّه قتل، وهنا استعد رسول الله للقتال فأرسلت قريش سهيل بن عمرو لعقد صلح معه. وكان الصلح على وقف الحرب عشر سنواتٍ، وأن يردّ المسلمون من يأتيهم من قريش ، بينما  تردّ قريش من يأتيها من المسلمين، وهو من أشهر أحداث قصة سيدنا محمد حقيقية كاملة كتابة.

غزوتي خيبر و مؤتة
كانت غزوة خيبر في السنة السابعة للهجرة وكانت للتخلص من خطر ومكائد اليهود وانتهت لصالح المسلمين،

تسميم سيدنا محمد ﷺ

وبعد ان فشل شياطين الإنس والجن فى وقف دعوة محمد ﷺ إلى الإسلام ومحاولاتهم نشر الفتنة والدسيسة ولكنهم فشلوا، وبعد نجاح رسول الله ﷺ ومعه المسلمين وصحابة رسول الله فى غزوة خيبر  حاولوا قتل رسول ﷺ بالسم،

كان زحف الفتوحات الإسلامية لنشر رسالة سيدنا محمد ﷺ والدعوة إلى دين الإسلام وبعد غزوات خيبر التى نتج عنها أفتتحها وقتل الكثير من قوم خيبر وكان من أحدهم رجل يدعى مٍرحب سقط قتليلا من خيبر أثناء المعركة، وكانت زينب ابنة الحارث وهى أبنة أخى مرحب، وأرادت ان تنتقم منهم وحينما استشارت كبار خيبر وعلمت أن الدين الاسلامى يرحب بالهدايا فقامت بزبح شاة ووضعت سماً به وحينما سئلت عن أى جزء فى الشاة يفضلة رسول الله ﷺ فعلمت أنه يحب أكل الذرع فأكثرت السم على ذراع الشاه وارسلتة الي رسول الله، فجلس مع بعض الصحابة لياكلوا فوضعت الذراع لرسول الله ﷺ وقطم قطهة واحدة منه ثم قال أرفعوا ايديكم عنها فالذراع تخبرنى أنها مسمومة وكان معه من الصحابة بشير بن البراء ولقد قضم قطمة أيضا منها فلم يستضيغها ولما قالها النبى أنها مسمومة قال لقد شعرت بما لا يستصاغ فيها ولم اشاء أن الفظها وانغص عليك طعامك ومات بشير بن البراء واعترفت السيدة بفعلتها فيلمها الرسول الى أولياء يسيراً فقتلوها 

المصدر

كتاب نهاية الارب فى فنون الأدب

٧-١٦ ص ٢٧٨ 


أما غزوة مؤتة،
فكانت في السنة الثامنة للهجرة وكانت بقيادة زيد بن

حارثة ومن بعده جعفر ، ثم عبد الله بن رواحة ، وكانت للدعوة للإسلام أولا  قبل القتال، وانتهت بفوز المسلمين.


فتح مكة
كان في السنة الثامنة للهجرة في شهر رمضان،  ووقعت بعد اعتداء بني بكر على بني خزاعة ، حلفاء النبي، وقتل عددٍ منهم . وأسلم فيها أبو سفيان، وانتصر المسلمون ودخل الرسول مكّة مكبّراً وعفى عن قريش وطاف بالكعبة المشرّفة وحطّم الأصنام . بعدها كانت غزوة حُنين ، ثم غزوة تبوك ، ثم بدا النبي في مكاتبة الملوك والأمراء وإرسال الوفود إليهم للدعوة إلى الدخول في دين الله، وبدأت الدولة الإسلامية تتسع . وكانت بداية عهد جديد في قصة سيدنا محمد حقيقية كاملة كتابة.


بعد هجرة رسول الله ﷺ والصحابة من مكة إلى المدينة المنورة وفى موسم الحج من كل عام كان رسول الله ﷺ وصحابة بدعوتهم إلى الحج ويقوم رسول الله أو أحد الصحابة بمرافقتهم إلى مكة لتعليمهم مناسك الحج وأستمر ذلك عشرات السنوات 

حجة الوداع

وبعد مرور العديد من السنوات في نشر الدعوة الإسلامية والجهاد والغزوات والحروب لنشر الإسلام في جميع الدنيا، قام رسول الله ﷺ بأداء حجة الوداع وكانت تلك هي الحجة الأخيرة له وقام بقول خطبته الشهيرة الذي وضع للمسلمين فيها العديد من القوانين ومن بينها حرمة تلك الأشهر الكريمة وأن يستوصوا بالنساء خيرًا أن يتبع دين الإسلام وينفذ جميع قواعد الدين الإسلامي.

بعد أن أرسى النبي صلى الله عليه وسلم قواعد دولته ودان له الشرق والغرب ووضع الأسس لاستكمال بناء وابلاغ الرسالة، فرض الله الحج على الناس وذلك في أواخر السنة التاسعة من الهجرة أعلن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، أنه ينوي الحج وخرج من المدينة في الخامس والعشرين من ذي القعدة من السنة العاشرة للهجرة

وبمجرد إعلان النبي صلى الله عليه وسلم نيته الحج، تهافت المسلمون على الحج معه، وفي الموعد المحدد، سار من المدينة المنورة حتى بلغ ميقات بلغ ذي الحليفة فاغتسل ونوى الإحرام وارتدى ملابسه (الإزار والرداء ) ، ثم أهل بالحج والعمرة وكان قارنا بينهما ، ثم رفع صوته بالتلبية.

( لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك )

وأدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مناسك الحج ، وأثناء وقوفه بعرفات أُنزل تعالى عليه قول الله تعالى:

{ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } ( المائدة : 3) .

وخطب خاتم الأنبياء والمرسلين خطبة أرسى فيها  دعائم نهضة الأمة ووضع للمسلمين خطة إصلاح الفرد والمجتمع.

قبل أن ننهي قصة سيدنا محمد حقيقية كاملة كتابة، لابد من الإشارة غلى زوجاته أمهات المؤمنين والتعريف بهن باختصار حيث تزوّج صلى الله عليه وسلم من إحدى عشر زوجةً، 


زوجات سيدنا محمد ﷺ:

السيدة خديجة بنت خويلد.

عائشة بنت أبي بكر.

حفصة بنت عمر بن الخطاب.

زينب بنت خزيمة.

أم مسيلمة.

زينب بنت جحش.

جويرية بن الحارث.

أم حبيبة.

صفية بنت حيي.

ميمونة بنت الحارس.

خديجة بنت خويلد: وهي أول زوجات الرسول ولم يتزوج بغيرها طيلة حياتها، وأنجب منها كلّ أبنائه وبناته إلّا ابنه إبراهيم.

سودة بنت زمعة: وهي ثاني زوجات النبي وتوفيت سودة في خلافة عمر بن الخطاب.

عائشة بنت أبي بكر الصديق: كانت أحبّ زوجات الرسول إلى قلبه بعد خديجة رضي الله عنها.

حفصة بنت عمر بن الخطاب: تزوّجها الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة الثالثة للهجرة.

زينب بنت خزيمة: وكانت تلقب بأمّ المساكين؛ لكثرة إطعامهم .

أم سلمة هند بنت أبي أمية: تزوّجها رسول الله بعد وفاة زوجها أبي سلمة..

زينب بنت جحش: تزوجها الرسول بأمرٍ من الله، وهي أو من توفي من الزوجات بعد وفاة رسول الله.

جويرية بنت الحارث: كانت أسيرةً في غزوة بني المصطلق، وكان اسمها بُرّة فسمّاها الرسول جويرية.

صفية بنت حيي بن أخطب: تزوّجها النبي عليه الصلاة والسلام بعد غزوة خيبر.

أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان: ويلتقي نسبها رسول الله عند جدّهما عبد مناف.

ميمونة بنت الحارث: وهي آخر زوجات النبي عليه الصلاة والسلام

أولاد رسول
القاسم
عبد الله
إبراهيم
زينب
رقية
أم كلثوم
فاطمة

وتبدأ فصول النبوة في قصة سيدنا محمد إذ اعتاد النبي صلى الله عليه وسلم على أن يذهب للتعبد في غار حراء في شهر رمضان كل عام ، حيث كان يقضي الوقت في التفكر في خلق الله في خلوة بعيدا عن البشر.

وتحديدا في عام 610 م ، كان عمر النبى محمد صلى الله عليه وسلم 40 عاما، *(وهو عمر نزول الوحى على أغلب الرسل والأنبياء) كما ذكرنا فى باب الرسل والأنبياء

جاءه الملكٌ "جبريل عليه السلام"
وهتف به قائلاً:
(اقرأ)،
فردّ الرسول قائلاً: (ما أنا بقارئ) فكان النبى محمد ﷺ أميًا لايقرأ ولايكتب،
وجذبه الملك وضمه له وردد ثانية اقرأ، فرد النبي ما أنا بقارئ،
وفي المرة الثالثة، قال الملك جبريل عليه السلام
{اقرأ باسم ربك الذي خلق}،
حتَّى بَلَغَ (عَلَّمَ الإنْسَانَ ما لَمْ يَعْلَمْ).

ففزع النبي محمد ﷺ وعاد إلى زوجته خديجة وروى لها ما حدث معه، فطمأنته وأكدت له ان الله لن يخذله وان ماحدث لفيه خير،
وقالت له: “كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل “الضعيف واليتيم”، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق”

وذهبت معه إلى ابن عمّها ورقة بن نوفل، وكان عالما لا يبصر ويكتب الإنجيل بالعبرية، وقص عليه الرسول بما حصل.

ورقة بن نوفل يبشر الرسول بالنبوة

(هذا النَّامُوسُ الذي أُنْزِلَ علَى مُوسَى، يا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، أكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أوَمُخْرِجِيَّ هُمْ فَقالَ ورَقَةُ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بمِثْلِ ما جِئْتَ به إلَّا عُودِيَ، وإنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا)

وفي نزول الوحي جاء عن أم المؤمنين عائشة ، رضي الله عنها، أنها قالت: أَوَّلُ ما بُدِئَ به رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ في النَّوْمِ، فَكانَ لا يَرَى رُؤْيَا إلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، فَكانَ يَأْتي حِرَاءً فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ، وهو التَّعَبُّدُ، اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ، ويَتَزَوَّدُ لذلكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلى خَدِيجَةَ فَتُزَوِّدُهُ لِمِثْلِهَا، حتَّى فَجِئَهُ الحَقُّ وهو في غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فِيهِ،
فَقالَ: اقْرَأْ،
فَقالَ له النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ:
فَقُلتُ: ما أنَا بقَارِئٍ،
فأخَذَنِي فَغَطَّنِي حتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ،
ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ،
فَقُلتُ: ما أنَا بقَارِئٍ،
فأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ،
فَقُلتُ: ما أنَا بقَارِئٍ، فأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي
فَقالَ: {اقْرَأْ باسْمِ رَبِّكَ الذي خَلَقَ}

وفاة سيدنا محمد
رحل رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، عن الدنيا يوم الاثنين الموافق الثاني عشر من ربيع الأول الموافق العام الأحد عشر من الهجرة، وكان وصية رسول الله أن يدفن في حجرة زوجته أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنه 

توفى عن عمر يناهز الثلاثة والستون عام

توفي النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة، وجاء عن ام المؤمنين "عائشة رضي الله عنها"

أنها قالت: إن من نعم الله علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته، دخل "عبد الرحمن ابن أبي بكر" وبيده السواك، وأنا مسندة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيته ينظر إليه وعرفت أنه يحب السواك،
فقلت: آخذه لك، فأشار برأسه أن نعم فتناولته فاشتد عليه،
وقلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فلينته.

ثم أكملت ام المؤمنين ، كما جاء في الرواية:
وما أن فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من السواك حتى رفع يده أو إصبعه وشخص بصره نحو السقف وتحركت شفتاه فأصغت إليه "عائشة" وهو يقول : مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى. كرر الكلمة الأخيرة ثلاثاً، ومالت يده ولحق بالرفيق الأعلى،

إنا لله وإنا إليه راجعون.





قصة سيدنا محمد ﷺ
من مولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم وفاة والدته وكفالة جده وعمه، وكيف كان صباه وشبابه، وتناولنا عمله بالتجارة وزواجه من خديجة، وأيضا بداية نزول الوحي، وتبشير ورقة بن نوفل للرسول بالنبوة، ثم شرحنا أهم الأحداث في مرحلة الدعوة السرية للاسلام، وبعدها المرحلة الجهرية، والهجرة للحبشة، ورحلة الإسراء والمعراج. ثم الهجرة النبوية إلى المدينة، وكيف كان تأسيس الدولة ووثيقة المدينة، وغزوات الرسول، ثم حجة الوداع، وذكر زوجاته صلى الله عليه وسلم ثم وفاته عليه الصلاة والسلام.


مواضع ذكر رسول الله ﷺ فى القرآن الكري،

قال تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} {الأحزاب : 40}،

نزول سورة قرآنية بأسم النبى (سورة محمد)


رحلة الأسراء والمعراج:

مقدمة
تُعرف الإسراء بأنّها الرحلة التي سارها النبي ﷺ من المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى المسجد الأقصى بالقدس الشريف، وأمّا لفظ المعراج فهو ما أعقب رحلة الإسراء من العروج إلى السماوات العُلا.

رحلة الإسراء والمعراج أعجب وأغرب الرحلات التي قام بها البشر على الإطلاق، حيث تمثلّت هذه الرحلة بقدرة الله تعالى على الإسراء بالنبي محمد ﷺ من مكة الكرمة إلى المدينة المنورّة، وبعد ذلك عُرج به إلى السماوات العُلا، ثمَّ رجع إلى بيت المقدس، وتنتهي الرحلة بعودة النبي ﷺ إلى مكة المكرمة، وكان ذلك كلّه في فترة زمنية قصيرة تتحدد بجزء قليل من الليل، وبالتالي فقد كانت رحلة الإسراء والمعراج إحدى معجزات النبي محمد ﷺ.

الإسراء: وهو أسراء الله بنبيّه ﷺ من المسجد الحرام بمكّة إلى المسجد الأقصى بإيلياء مدينة القدس في جزء من الليل،

المعراج: فهو صعود ﷺ من بيت المقدس إلى السّموات السّبع، وما فوق السّبع؛ حيث فرضت حينها الصّلوات الخمس، ثمّ عودته إلى بيت المقدس في جزء من الليل.

ثمّ عودة في نفس اللية إلى فراشه، 
-

أهمية ذكرى الإسراء والمعراج.

رحلة الأسراء والمعراج أعظم حدث فى تاريخ البشرية، وفخر للأمة الاسلامية، وتعد من أهم المناسبات عند الأمة الإسلامية لكونها رحلة ربانية خصها ووهبها الله تعالى لنبينا الصادق الأمين، وخاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد ﷺ.

وكانت فى منتصف فترة الرسالة الإسلامية ما بين السنة الحادية عشرة إلى السنة الثانية عشرة من البعثة نبى الله ﷺ.
-

ماذكر عن تاريخ رحلة الأسراء والمعراج

ذكرى ليلة الإسراء والمعراج من مغرب يوم 26 من رجب وتنتهي ليلة الإسراء والمعراج ، فجر يوم 27 رجب من كل عام. 

أختلف في تحديد تاريخ ليلة الإسراء والمعراج بالتحديد قال بعض العلماء إن ليلة الإسراء والمعراج كانت فى ليلة يوم الاثنين، الثانى عشر من ربيع الأول ولم يتم تحديد السنة، قيل قبل الهجرة بـستة عشر 16 شهراً، لتكون فى ذى القعدة، وقيل الإسراء والمعراج كان قبل الهجرة بـثلاثة 3 سنوات، وقيل بخمس 5 سنوات، وقيل: ستة سنوات، من مكة بعد البعثة وقبل الهجرة.

وقيل إنها كانت قبل الهجرة بسنة واحدة فتكون فى ربيع الأول، ولم تعين الليلة، 

وقول أنه فى مغرب يوم 26 من رجب وانتهت ليلة الـ27 من شهر رجب، وبالتحديد فجر يوم 27 رجب، ومع اقتراب موعد احتفالات المسلمين بليلة الإسراء والمعراج

وقيل فى ليلة الـ 27 من شهر رجب قبل الهجرة بسنة، وهو الرئى الأرجح.

فبعد سنوات قليلة، قيل بعد ثلاث سنوات وقيل ثمانية عشر شهراً والله اعلم  وإنما يقيناً كان قبل الهجرة، 
-

بداية رحلة الأسراء والمعراج
نزل جبريل علية يقول: هلم يا رسول الله الى لقاء الله، ويركب سيدنا محمد ﷺ البراق الذي اعده له ربه من مكة الى بيت المقدس وهو دابة كثر الكلام والجدال

شق صدر الحبيب المصطفى ﷺ.

بِقدومِ ثلاثةٍ من الملائكةِ الكِرامِ، بينَهم جبريلُ وميكائيلُ، وأسرافيل عليهم السلام، فجعلوا جَسدَ رسولِ اللهِ لِظهرهِ مستقبِلاً الأرضَ وهو نائم، ثمَّ شقُّوا بطنَهُ، فغسَلوا ما كانَ بهِ من غلٍّ بماءِ زمزمَ، ثمَّ ملؤوا قلبَه إيماناً وحِكمةً.

وفيما جاء فى روايات قيام جبريل عليه السلام بشق صدر الرسول ﷺ وغسله بماء زمزم وافراغ الحكمة والايمان في صدره.

ففي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله ﷺ قال: “( فرج سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيماناً فأفرغه في صدري ثم أطبقه ؟ ثم أخذ بيدي فعرج بي الى السماء الدنيا)

فظهر من خلال هذه المعجزة عدم تأثر جسمه بالشق واخراج القلب ما يؤمنه من جميع المخاوف العادية الاخرى، ومثل هذه الامور الخارقة للعادة مما يجب التسليم له دون التعرض لصرفه عن حقيقته، لمقدرة الله تعالى التي لا يستحيل عليها شيء وفي هذا رد على من انكر وقوع حادثة شق ليلة الإسراء.

-

البراق

قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْبُرَاقُ: هو أسم الدَّابَّةِ الَّتِي رَكِبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فى لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ والمعراج.

صفة البراق:

 قال النووي رحمه الله  اشْتِقَاقُ الْبُرَاقِ مِنَ الْبَرْقِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، يَعْنِي لِسُرْعَتِهِ، وَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ صَفَائِهِ وَتَلَأْلُئِهِ وَبَرِيقِهِ، وَقِيلَ: لِكَوْنِهِ أَبْيَضَ ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ ذَا لَوْنَيْنِ، يُقَالُ شَاةٌ بَرْقَاءُ، إِذَا كَانَ فِي خِلَالِ صُوفِهَا الْأَبْيَضِ طَاقَاتٌ سُودٌ، قَالَ: وَوُصِفَ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ أَبْيَضُ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ نَوْعِ الشَّاةِ الْبَرْقَاءِ، وَهِيَ مَعْدُودَةٌ فِي الْبِيضِ. 

عن أنس ان رسول الله ﷺ قال: أتيت بالبراق وهو دابة، أبيض، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، فركبته فسار بي حتى أتيت بيت المقدس، فربطت الدابة بالحلقة التي يربط فيها الانبياء، ثم دخلت فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فأتاني جبريل بإناء من خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل: أصبت الفطرة..”. (رواه احمد والبخاري ومسلم).

-

عَرَضَ علية لبناً وخمراً:

من الحديث السابق الذى يؤكد صحة ذلك الحدث ويروى ماحدث ومانتج عنه.

اتاة جبريل بإناء من خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل: أصبت الفطرة.

فاختارَ الرَّسولُ ﷺ ، اللَّبنَ فشَرِبهُ، فبشَّرهُ جبريلُ بالفِطرة، 
-

أثناء رحلة الإسراء 

للتوضيح والتاكيد فى أى مكان كان ذلك المشهد
أخبرنا الصادق الأمين حينما أسرى به إلى بيت المقدس

سمع من ينادية وحينما نظر نظرة واحدة وكانت امرأة جميلة ومتبرجة بكل أنواع الزينة، حاسرة عن ذراعيها تنادى: يا محمد انظرنى أسألك. فلم يلتفت إليها ﷺ مجدداً

فقال جبريل للرسول: ما سمعت فى الطريق؟

فقال عليه السلام: بينما أنا أسير إذا بامرأة حاسرة عن ذراعيها عليها من كل زينة خلقها الله تقول: يا محمد انظرنى أسألك!
فلم أجبها، ولم أقم عليها.

قال جبريل: تلك الدنيا، أما أنك لو أجبتها، لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة، وأما الشئ الذى ناداك من جانب الطريق فهو إبليس.

-

ركوب البراق

وهم رسول الله ﷺ ان يركب *"البراق" وقيل فى ذلك أن البراق حينها صهل فقال له جبريل عليه السلام الا تخجل فهذا هو محمد أشرف خلق الله، 

وركب نبينا محمد ﷺ البراق لتبدء رحلة الإسراء والمعراج. 

ثمَّ أركبَهُ جبريلُ دابَّةً يُقالُ لها البُراقُ، فانطَلَق بهِ البُراقُ إلى المسجدِ الأقصى يسوقُهُ جبريل، فأنزَلَهُ طيبَةَ، فصلَّى بها، وأخبرهُ ما يكونُ من هجرتِه إليها، 

انطلَقَ فوصَلَ بهِ الى بَلَدٍ اسمُها مَدْيَن وهي بلدُ نبيِ اللهِ شُعَيب فقال له جيريل انزِل فَصَلِّ ركعتينِ ففعَلَ 

ثمَّ أنزلَهُ طورَ سيناءَ حيثُ كلَّمَ "الله" "موسى عليهِ السَّلامُ"، ورأى "قبر ماشطة "بنت فرعون" ووجد ريحاً طيبة فقال : يا جبريل ، ما هذه الرائحة ؟ قال : هذه رائحة ماشطة بنت فرعون وأولادها.

فصلَّى بهِ، ثمَّ أنزَلهُ بيتَ لحم مولِدَ عيسى عليهِ السَّلامُ، فصلَّى فيها، ثمَّ دنا بهِ إلى بيتِ المقدِسِ فأنزَلهُ بابَ المَسجِدِ ورَبَطَ البراقَ بالحلقةِ التي كان يربط بها الأنبياءُ

بيتِ المقدِسِ:
دخلَ رسول اللة ﷺ الى بيتِ المقدِسِ ( المسجد الأقصى) ليَلتقي أنبياءَ الله المبعوثينَ قبلَه، كانوا ينتظروه رحبوا به وسلَّموا عليهِ، وصلّى بهم ركعتَين.

"الرسل والانبياء" :
هم من أتاهم الوحي من عند اللة، بداية من آدم علية السلام وحتى خاتم الانبياء والرسل رسول اللة ﷺ

قال الله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب:40]

عدد الرُسل والأنبياء
فهم كثر، وأكثر بكثير مما يعتقد البعض، ذكر في القرآن الكريم بعض أسماء الرُسل والأنبياء الخمسة والعشرون 25 منهم، ومن الأحاديث النبوية الشريفة أعلمنا رسول الله ﷺ  وروى لنا أحداث رحلة الإسراء، وذكر عدد من صلى بهم فى المسجد الأقصى من الرسل والأنبياء قبل العروج الى السماء، وكما أخبرنا الصادق الأمين مائة وأربعة وعشرون 124 ألف نبى ورسول، ومنهم 315 ثلاثمائة وخمسة عشر رسولاً، كما في مسند الإمام أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه.

رحلة الإسراء والمعراج أعظم حدث فى تاريخ البشرية وأهم ليلة فى حياة نبينا الكريم ﷺ حدثت أثناء اليقظة بعطاءٍ من الله عز وجلّ، أصطحبة سيدنا جبريل علية السلام وأسرا به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وصلى فيه بالملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم عُرِج به أسرا به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى يقظةً من المسجد الأقصى إلى السماوات العُلا، ومنها إلى المقام الأعلى الى حيث لم يصل احدأ من قبل وإلى مابعد السماء السابعة حيث ينتهى علم الخلائق أجمعين الا ماشاء اللة تعالى.

أحداث رحلة المِعراج:

وعرج به تلك الليلة من بيت المقدس الى السماوات العلى، بدأت بصعودِ الصَّخرة المُشرَّفة؛ إذ سارَ جبريلُ ﷺ إليها، ثمَّ حملَهُ على جناحِهِ ليصعَدَ بهِ إلى السَّماءِ الدُّنيا، 

قال رسول الله ﷺ : (أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، فَرَكِبْتُهُ، فَسَارَ بِي حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَرَبَطْتُ الدَّابَّةَ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الأَنْبِيَاءُ، قَالَ: ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجْتُ، فَجَاءَني جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ. فَقَالَ جِبْرِيلُ صلى الله عليه وسلم: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. قيل: مرحبًا به وأهلًا حيَّاه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ عليه السلام..) إلى آخر الحديث، ذكر فيه القصة الشريفة مختصرة، وقد تكررت فيه كلمات الاستفتاح والترحيب في كل سماء.

تستفتح لهما أبواب السماوات السبع:

١ -  عرج به الى "السماء الأولى" فاستفتح له جبريل ففتح له، فرأى هناك آدم عليه السلام أبا البشر فسلم عليه، فرحب به ورد عليه السلام، وأقر بنبوته، وأراه الله أرواح الشهداء عن يمينه، وأرواح الاشقياء عن يساره، ويتجلَّى

 بها بعدَ أن استفتَح واستأذن، فاطَّلعَ الرَّسولُ

ﷺ على بعضِ أحداثِ "السَّماءِ الدنيا"، 

٢ - ثم عرج به الى "السَّماء الثَّانيةِ"، فاستفتحَ له جبريل، فأُذِنَ لهُ، فرأى فيها "زكريا وعيسى بن مريمَ عليهما السلام"، فسلم عليهما فردا عليه ورحبا به، وأقرا بنبوته.

٣ - ثمَّ ارتقى به جبريلُ إلى "السَّماءِ الثَّالثةِ"، فرأى فيها "يوسف عليه السَّلام"، فسلم عليه، فرد عليه ورحب به، وأقر بنبوته.

- وقال فى وصفة ”وكان يوسُفُ أُعْطِيَ شَطْرَ الحُسْنِ” يعني نِصْفَ جَمَالِ البشَرِ الذي وُزِّعَ بينهم.

٤ -ثمَّ ارتقى به جبريلُ إلى "السَّماءِ الرَّابعةِ" فَاسْتَفْتَحَ له ورأى  فيها "إدريسُ علية السلام"، فسلم عليه ورحب به، وأقر بنبوته.

وفي الحديث الصحيح أنّ النبي ﷺ التقى بإدريس في السماء الرابعة في ليلة الإسراء والمعراج، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: «ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟
قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: أَوَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟
قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ إِلَى إِدْرِيسَ،
قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ».

٥ - ثمَّ أرتقى إلى "السماء الخامسةِ" ورائ فيها "هارون علية السلام" فسلم عليه ورحب به، وأقر بنبوته.

٦ - ثمَّ عرج  بهِ إلى "السماء السادسة" ورأى فيها "موسى بن عمران علية السلام"، فسلم عليه ورحب به، وأقر بنبوته.

- فلما جاوزه بكى موسى علية السلام! 

فقيل له : ما يبكيك ؟ 

فقال: أبكي لأن غلاما بعث من بعدي يدخل الجنة من أمته اكثر مما يدخلها من أمتي.

وبالرغم من بكاء موسى وجزعه الا أن ربه لم يغضب منه، لانه كليمه ورسوله.

٧ - ثمَّ عرج به إلى "السماء السّابعة" فالتقى فيها بأبو الأنبياء "إبراهيمُ علية السلام" فسلم عليه ورحب به، وأقر بنبوته. 

- وكانَ أشْبَهَ الأنبياءِ بسيدنا محمد من حيث الخِلْقَةُ.

- وقد رآه مسندا ظهره الى البيت المعمور لأنه من بنى الكعبة فى الأرض، والجزاء من جنس العمل وبهذا عُدّ هؤلاء الرسل الانبياء من صحابة رسول الله ﷺ وكأن النبي اخذ ينظر الى الملائكة الأبرار الأطهار يطوفون حول الكعبة السماوية "البيت المعمور"  يطوف حولها سبعون الفا ملك كل يوم لا يعودون اليه آخر ما عليهم. فيا له من مشهد عظيم يراه رسول الله ﷺ بدلا من رؤية الكافرين والمشركين وهم يطوفون حول أوثانهم وأصنامهم حول الكعبة الارضية ثم رفع الى سدرة المنتهى ورفع له البيت المعمور.

*"سدرة المنتهى" :

وهي التي ينتهي إليها كلّ من يصعد إليها ويهبط إليها ينتهي عندها علم الأنبياء عليهم السّلام ويعجز علمهم عمّا سوى ذلك الأعمال تنتهي عند سدرة المنتهى وتُقبض من عندها. وتنتهي إليها أرواح الشّهداء وهى على رؤوس حَمَلة العرش وينتهي إليها علم الخَلْائق الا ماشاء اللة تعالى.

* وهى شجرة عظيمة خارج الجنة أصولها في "السماء السادسة" و تمتد فوق "السماء السابعة" أوراقها كآذان الفيلة وثمارها *كالقلال (الجرة الكبيرة) يأتي عليها فراشات من الذهب، وهي شجرة النّبق، وهي شجرة ثمارها طيّبة، أورقها نافعه وعندها التقى أشرف خلق اللة النبيّ محمد ﷺ بالملك جبريل عليه السّلام في رحلة المعراج. 

مابعد السماء السابعة.

حيث ينتهى علم الخلائق أجمعين 

فتقدَّمَ جبريلُ بالرّسول ﷺ إلى *"الحِجابِ" وفيهِ مُنتهى الخَلق، فاستَلمَهُ مَلَكٌ، وتخلَّفَ عنه جبريل.

فى حجب رب العالمين: 
الحجب سبعون الف حجاب 
وقيل سبعون حجابأ.

الجنة والنار
فى صَحِبهُ جبريلُ فأدخلهُ الجنَّةَ، فرأى من نَعيمها ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت، 

لكي يرى فيها ما أعده الله له ولقومة من المؤمنين الصالحين من الثواب والنعيم ليطمئن ويُبَشّر به المتقين، 

وعُرِضَ عليه النار أيضأ، ليعلم ويشاهد ما أعده الله تعالى لأعدائه من العذاب الأليم، ولينذر به الكافرين والمشركين.

رأى ﷺ : مالك خازن النار رآه عابساً لا يضحك 

فقيل له : انه لم يضحك منذ خلقت النار.

الجنة
ثم رأى ﷺ وادٍ فوجد فيه ريحًا طيبة باردة وريح مسك وسمع صوتًا 

فقال ﷺ : ما هذا يا جبريل؟

قال جبريل : هذا صوت الجنة تقول: رب آتيني بما وعدتني فقد كثرت غرفي وإستبرقي وحريري وسندسي ولؤلؤي ومرجاني وفضيتي وذهبي وأكوابي وصحافي وأباريقي ومراكبي وعسلي ومائي ولبني وخمري فآتيني بما وعدتني. قال: لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة ومن آمن بي وبرسلي وعمل صالحًا ولم يشرك بي شيئًا ولم يتخذ من دوني أندادًا ومن خشيني فهو آمن ومن سألني فقد أعطيته ومن أقرضني جازيته ومن توكل علي كفيته إنني أنا الله لا إله إلا أنا لا أخلف الميعاد قد افلح المؤمنون وتبارك الله أحسن الخالقين. قالت الجنه : قد رضيت ..

رسول الله يصف نعيم الجنة:

ومر الرسول ﷺ على أقوام يحصدون فى يوم، كلما حصدوا عاد كما كان.

وكثرة الحصاد والمحصول على هذا الوجه رمز لجزاء الله سبحانه الذى لا

يتناهى، فلما رآهم رسول الله ﷺ على ذلك سأل جبريل: ما هذا يا جبريل؟

قال جبريل: هؤلاء هم المجاهدون فى سبيل الله، تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف. ولذلك يشبه الله العمل الصالح فى الآية: {كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء.

النار:
ثم أتى ﷺ على وادٍ فسمع صوتًا منكرًا ووجد ريحًا منتنة فقال ﷺ : ما هذا يا جبريل؟

قال جبريل : هذا صوت جهنم تقول: رب آتيني بما وعدتني فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وضريعي وغساقي وعذابي وقد بعد قعري واشتد حري فآتيني بما وعدتني

قال الله: لك كل مشرك ومشركة وكافر وكافرة وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب.

قالت جهنم : قد رضيت.

رسول الله يصف عذاب النار :
رأى عقوبة تارك الصلاة الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة، قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر كلما رضخت عادت كما كانت ولا يفتر عنهم من ذلك شيء.

كما رأى الذين لا يؤدون زكاة أموالهم .

قوم على إقبالهم رقاع وعلى أدبارهم رقاع يسرحون كما تسرح الأنعام يأكلون الضريع والزقوم ورضف جهنم ..

ثم رأى النساء اللاتي يزنين ويقتلن أولادهــن معلقات بثديهن ونساء منكسات بأرجلهن يصرخن إلى الله تعالى.

ثم رأى الهمّازَون اللمًّازون من أمتنا، أقوام يُقطع من جنوبهم اللحم فيلقمون ، فيقال لأحدهم : كُل كمَا كنت تأكل لحم أخيك.

كما رأى الذين يغتــابون، قوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم فقال ﷺ : من هؤلاء ياجبريل ؟ ، قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم.

ثم رأى عقاب الزناة .قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر ولحم نيء في قدر خبيث فجعلوا يأكلون من النئ الخبيث ويدعون النضيج فقال ﷺ ما هؤلاء يا جبريل؟

قال جبريل: هذا الرجل من أمتك تكون عنده المرأة الحلال الطيب فيأتي امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح والمرأة تقوم من عند زوجها حلالاً طيبًا فتأتي رجلاً خبيثًا فتبيت عنده حتى تصبح.

ثم رأى ﷺ رجل قد جمع حزمة حطب عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها فقال ﷺ : ما هذا يا جبريل؟

قال جبريل : هذا الرجل من أمتك تكون عليه أمانات الناس لا يقدر على أدائها وهو يريد أن يحمل عليها.

ثم رأى عقاب خطباء الفتنة .وهم قوم تقرض ألسنتهم وشفاهم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء ..

ثم رأى ﷺ جحر صغير يخرج منه ثور عظيم فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع فقال ﷺ : ما هذا يا جبريل؟

قال جبريل : هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة ثم يندم عليها فلا يستطيع أن يردها ..

ورأى اكلة اموال اليتامى ظلماً لهم مشافر كمشافر الابل يقذفون فى افواههم قطعا من نار كالأفهار فتخرج من ادبارهم . 

ورأى أكلة الربا لهم بطون كبيرة لا يقدرون لأجلها ان يتحولو عن مكانهم ويمر بهم آل فرعون حين يعرضون على النار فيطأونهم .

ورأى النساء اللاتى يدخلن على الرجال من ليس من اولادهم رآهن معلقات بثديهن ..

 ثم رأى عقاب شاربو الخمر والمسكرات :

رآهم بصورة أُناس يشربون من طينة الخبال وهو الصديد الخارج من الزناة.

رأى الرسول موائد كثيرة، عليها لحم ناضج جيد ولا يقربها أحد وموائد أخرى عليها لحم نتن كريه الرائحة وحول هذا اللحم النتنه أناس يتنافسون على الأكل منها ويتركون اللحم الناضج الجيد، فقال رسول الله ﷺ: ومن هؤلاء يا جبريل؟

قال جبريل: هذا حال أناس من أمتك يتركون الحلال الطيب فلا يطعمونه، ويأتون الحرام الخبيث فيأكلونه

رأى الرسول الكريم أناسا شفاهم كمشافر الإبل. فيأتى من يفتح أفواههم، فيلقى فيها قطعا من اللحم الخبيث، فيضجون منها إلى الله لأنها تصير نارا فى أمعائهم فلا يجيرهم أحد حتى تخرج من أسفلهم فقال عليه الصلاة والسلام من هؤلاء يا جبريل ؟

قال جبريل: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى بالباطل، إنما يأكلون فى بطونهم نارا وسيصلون سعيرا.

ويرى الرسول الله ﷺ طريقا ممتدا إلي النار يمر فيه آل فرعون. فيعرضون على النار غدوا وعشيا، وأثناء مرورهم يجدون على الطريق أقواما بطونهم منتفخة مثل البيوت، كلما نهض أحدهم سقط يقول: اللهم أخر يوم القيامة، اللهم لا تقم الساعة فيطؤهم آل فرعون بأقدامهم فقال ﷺ: من هؤلاء يا جبريل؟

قال جبريل: هؤلاء هم الذين يتعاملون بالربا من أمتك. لا يقومون إلا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس.

ثم يمضى الرسول ﷺ فيرى أقواما يُقطع اللحم من جنوبهم ثم يقال لكل منهم: كل من هذا اللحم كما كنت تأكل لحم أخيك ميتا. فقال رسول ﷺ: من هؤلاء يا جبريل؟

قال جبريل: هؤلاء هم الذين يغتابون الناس من أمتك، كان كل منهم يأكل لحم أخيه ميتا.

ومضى رسول الله ﷺ فوجد أقواما تضرب رؤوسهم بالصخر كلما ضربت تحطمت وكلما تحطمت عادت كما كانت فترضخ من جديد بالصخر فتتحطم. وهكذا،

فقال عليه ﷺ: من هؤلاء يا جبريل؟
قال جبريل عليه السلام: هؤلاء من أمتك هم الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة.

وعقب ذلك مشهد يأتى رسول الله ﷺ فيه على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها هو يزيد عليها، وذلك دليل على كثرة الذنوب التى ارتكبها والمعاصى التى اقترفها، ومع ذلك فهو يزيد منها ويثقل على نفسه بالذنوب فلما رآه رسول الله ﷺ 

قال: ما هذا يا جبريل؟
قال جبريل: هذا الرجل من أمتك تكون عليه أمانات الناس، لا يقدر على أدائها وهو يزيد عليها أمانات أخرى، وقد دعا الإسلام إلى رد الأمانات.

كما مر رسول الله ﷺ على أقوام تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد، كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شئ وهذا جزاء من يتكلم بالشر، ويخوض فيه بين الناس فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك، 

قال لجبريل: ما هذا يا جبريل؟

قال جبريل: هؤلاء خطباء الفتنة” كما كثر عددهم فى هذه الأيام”أسال الله ان يكفوا عما هم عليه من بث للفتنة .

مابعد سدرة المنتهى:

ثم وصل سيدنا محمد ﷺ الى مابعد سدرة المنتهى، حيث ينتهى علم الخلائق أجمعين

 وأفترق عن سيدنا جبريل عليه السلام إلى 

مكان يسمع فيه صريف الأقـــــــــــــلام : التي تنسخ بها الملائكة في صحفها من اللوح المحفوظ.

فرض الصلوات في الإسراء والمعراج، 

فرض الله سبحانه وتعالى على النبي وأمته ﷺ في تلك الليلة المباركة خمسَ صلوات في اليوم والليلة، وخصَّه بمنح عظيمة لم تكن لأحد سواه من إخوانه الأنبياء عليهم جميعًا الصلاة والسلام. فكان محمد ﷺ كمثل سفيرأ لامتة عند الله وخصة بالصعود إلى اقصى مايمكن لمخلوق أن يصل إليه فاسرى به من المسجد الحرام، الى المسجد الأقصى ثم يعرج به إلى السموات العلا وحتى سدرة المنتهى  وفيما بعد السماء السابعة حتى أن جبريل عليه السلام لم يستطيع أن يرافق نبينا الكريم فى الأعلى حيث ينتهى علم الخلائق أجمعين الا ماشاء اللة. وذلك لاهمية فريضة الصلاة، في حياة الإنسان المسلم والمجتمع المسلم، وأول مافرضت خمسين صلاة،

فريضة الخمس صلوات.
فارتقى بهِ المَلَكُ حتَّى بَلَغَ العرشَ، فأنطقَهُ اللهُ بالتَّحيَّاتِ، فقال ﷺ: (التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ وَالصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ)،

وهُناكَ أزالَ اللهُ عنْهُ الحِجَابَ الذي يَمنعُ من سَماعِ كلامِ اللهِ تعالى الذي ليسَ حرفاً ولا صوتاً، أسمَعَهُ كلامَهُ. ثم هناك أيضاً أزَالَ عن قلبِهِ الحجابِ فرأى اللهَ تعالى بقلبِهِ أي جَعَلَ اللهُ له قوَّةَ الرُؤيةِ والنظَرِ بقلبه، فرأى اللهَ بقلبهِ ولم يَرَاهُ بعينَيْ رأسِهِ لأنَّ اللهَ لا يُرَى بالعينِ الفانِيَةِ في الدنيا وإنما يُرى بالعينِ الباقيةِ في الآخرةِ كما نصَّ على ذلك الإمامُ مالِكٌ رضي اللهُ عنه "ثم إنّ نبينا لما رجَعَ من ذلِكَ المكانِ كان من جملةِ ما فَهِمَهُ من كلامِ اللهِ الأزليِ أنّهُ فُرِضَ عليه خمسون صلاة".

وفيهِ فُرِضت الصَّلاةُ خمسينَ صلاةً على النَّبيِّ ﷺ وأمَّتِهِ كلَّ يومٍ وليلةٍ، 

حتَّى أتيا نبيَّ اللهِ موسى، فسائلة عن مافرض علية وعلى أمته ومن اتبعة من فريضة فقال له ارجع فاسل التخفيف فإن قومة فرض حظر عليهم صلاتين فلم يفعلوا.

فأرجَعهُ إلى ربِّهِ يسألهُ التَّخفيفَ، فخفَّفَ عنهُ عشراً، ثمَّ أرجَعهُ موسى فسألهُ التَّخفيفَ، فخفَّفَ اللهُ عنهُ عشراً، ثمَّ لم يَزلْ بينَ ربِّهِ وموسى حتَّى جَعلَها الله خمسَ صلواتٍ في اليومِ واللَّيلَةِ،
ثمَّ أرجَعَهُ موسى إلى ربِّهِ يسألهُ التَّخفيف، فأعرَض الرَّسولُ ﷺ عن ذلكَ استحياءً من الله تعالى وإجلالاً، 

فناداهُ ربُّه: (إنِّي قد فرضْتُ عليكَ وعلى أمَّتِكَ خَمْسِينَ صَلَاةً، وَالْخَمْسُ بِخَمْسِينَ وَقَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي)
ثمَّ عادَ بهِ جبريلُ إلى مضجَعِهِ، وكلُّ ذلِكَ في ليلةٍ واحدةٍ، وقال هي في العمل خمس وفي الأجر خمسون.

رحلة الإسراء والمعراج هى معراج لكل مسلم.

ويقول الله تبارك وتعالى في الصلاة في الحديث القدسي: “(قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال عبدي: الحمد لله رب العالمين
قال الله تعالى: حمدني عبدي، فإذا قال الرحمن الرحيم، قال تعالى أثنى علي عبدي، فإذا قال مالك يوم الدين قال الله تعالى مجّدني عبدي فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين، قال الله تعالى هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم إلى آخر الفاتحة، قال الله تعالى هذا لعبدي ولعبدي ما سأل).

مصدر آخر 

(أوحى الله الى عبده ما أوحى، وفرض عليه خمسين صلاة، فرجع حتى مرّ على موسى، فقال له: بم أمرك؟ قال: بخمسين صلاة، قال: ان أمتك لا تطيق ذلك ارجع الى ربك فاسأل التخفيف لأمتك، فالتفت الى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار: أن نعم؟ ان شئت، فعلا به جبريل حتى أتى به الجبار تبارك وتعالى وهو في مكانه فوضع عنه عشرا، ثم أنزل حتى مر بموسى فأخبره، فقال: ارجع الى ربك فاسأله التخفيف، فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله عز وجل حتى جعلها خمسا، فأمره موسى بالرجوع وسؤال التخفيف، فقال: قد استحيت من ربي ولكنني أرضى وأسلم، فلما بعد ونادى مناد: قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي) (رواه البخاري ومسلم).

أشار القرآن الكريم الى الإسراء والمعراج في سورتي "الإسراء" و"النجم"، 

في قوله {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير}(سورة الإسراء).

وفي قوله “{ولقد رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى، لقد رأى من آيات ربه الكبرى}”.

هل رأى سيدنا محمد الله فى رحلة المعراج ؟

الحق، انه لم ير ربه سبحانه وتعالى لما ثبت في حديث عبدالله بن مسعود وسؤاله لرسول الله ﷺ: (هل رأيت ربك؟ اي في ليلة المعراج. قال ﷺ: نورٌ، إنى أراه).

وكذلك تقول عائشة رضي الله عنها: (من زعم ان محمداً صلى الله عليه وسلم قد رأى ربه يعني ليلة الاسراء والمعراج فقد أعظم على الله الفرية)”.

وهناك أكثر من موقف للأنبياء سئلوا ربهم رؤياة وكان أولهم سيدنا موسى علية السلام حينما ناجى رب العالمين على جبل سيناء.

وكان ذلك يوم الخميس يوم عرفة، وأعطى التوارة يوم الجمعة يوم النحر ومختصر ماذكر:
كان بين الله تعالى وبين موسى سبعون حجابا فسمع ً ، فرفعها كلها الا حجابا واحدا
موسى كلم الله تعالى واشتاق إلى رؤيته وطمع فيها ، فقال ما أخبر الله عز وجل به عنه في كتابه، قال الله تعالى: "ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك " . فقال الله تعالى له :" لن تراني " وليس يطيق البشر النظر إلي في الدنيا، من نظر إلي مات . قال: إلهي سمعت كلامك فاشتقت النظر إليك، وألن أنظر إليك ثم أموت أحي إلي من أن أعيش ولا أراك .
فقال له تعالى : " انظر إلى الجبل" وهو أعظم جبل يقال له : الزبير .

قال الله تعالى : "ولكن أنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني".
فتجلى الله تعالى للجبل.

قال أبو إسحاق : قال أبو بكر محمد بن عمر الوراق : حكى لي عن سهل بن سعد الساعدي أن الله تعالى أظهر من سبعين ألف حجاب نورًا قدر درهم، فجعل الجبل دكا.

وخر موسى صعقا. أى أغشى علية

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ"( فلما تجلى ربه للجبل صار بعظمة الله ستة جبلا ، فوقعت ثالثة بالمدينة : أحد ، ورقان ،ورضوى. ووقعت ثالثة بمكة : ثور ، وثبير ، وحراء ).

الرسول يروى قصة الإسراء والمعراج 

وبعد رحلة الإسراء والمعراج وعاد رسول الله ﷺ الكريم إلى قومه وقص عليهم ما حدث، فمنهم من كذبه ومنهم من أخذ يناظره بالاسئلة ويسأله “كم باباً ببيت المقدس “فلما كانت الرحلة ليلاً، فكشف الله له فآراه ، فصار يروى لهم عن أوصاف الأبواب وعددها، فسكتوا، وحينما قالوا للصحابى ”ابوبكر “ وكان صديق ورفيق رسول الله محمد ﷺ  منذ الطفولة قائلين له؛ صاحبك يدعى أنه أسرى به،

فقال ابو بكر مقولته المأثورة “إنه صادق فى ذلك أنا اصدقه فى خبر السماء فكيف لا اصدقه عن خبر الأرض“.

أدلة تثبت حقيقة رحلة الإسراء والمعراج:

ولقد نص القرآن الكريم على الإسراء يقظة نصًّا صريحًا فإنكاره كفر وعناد، ونصَّ على المعراج بالتأويل فإنكاره فسق وضلال.

لم تكنِ حدثاً عادياً بل تعتبر احد معجزات النبى محمد ﷺ وهبها الله له، وتعد من أحد  المعجزات التي أنعم الله بها على رسوله محمد ﷺ، وتشريفا وتكريما له، حيث التقى رسول الله ﷺ ربه في هذه الرحلة وبجميع الرسل والأنبياء فى "المسجد الأقصى" ومنهم كان بعض كبار الملائكة الكرام، 

فكانت معجزةً إلهيَّة متكاملةً حيث أيَّدَ الله تعالى بها نبيَّهُ محمداً عليه ﷺ، ونَصَر بها دعوتَهُ، وأظهَرهُ على قومِه بدليلٍ جديدٍ ومعجزةٍ عظيمةٍ يعجزُ عنها البَشر، وتخفيفا عنه لما واجهة من أهلِ الطَّائف، ومن آثارِ دعوتِه، وموتِ عمِّهِ وزوجَتِه فى عام الحزن. 

فى أثر رحلة الإسراء والمعراج 
الإسراء والمعراج كانت نقطة هامة فى حياة النبى ﷺ، ولشد أزره واستعدادا للأيام الصعبة المقبلة من حياة رسول الله ﷺ من الجهاد والنضال وماسوف يواجهه نبينا الكريم من العرب، من سوف يرميه العرب عن قوس واحدة، ووقوف جبهات متعددة ضده وضد دعوته، اولها الجبهة الوثنية في جزيرة العرب، والجبهة الثانية الوثنية المجوسية من عباد النار والجبهة الثالثة جبهة اليهودية من حرفوا ما أنزله الله فى الكتاب المقدس. 

في مسيرة دعوته في مكة وبعد ماعاناه من قريش، وقال: لعلي أجد أرضًا أخصب من هذه الأرض عند ثقيف، عند أهل الطائف، فوجد منهم ما لا تُحمد عقباه، ردوه أسوأ رد، سلطوا عليه عبيدهم وسفهاءهم وصبيانهم يرمونه بالحجارة حتى أدموا قدميه ﷺ، ومولاه زيد بن حارثة يدافع عنه ويحاول أن يتلقى عنه هذه الحجارة حتى شج فى رأسه شجاج عديدة، خرج عليه ﷺ دامي القدمين من الطائف ولكن ماكان أكثر ايلامأ من الحجارة التي جرحت اقدامة الشريفة كانت الكلمات التى جرحت قلبه ولذلك فلقد ناجى الله تعالى، فبعث الله إليه ملك الجبال يقول: إن شئت أطبق عليهم الجبلين، ولكنه النبىﷺ أبى ذلك، وقال: إني لأرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً، اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون. فكان ﷺ مؤمنأ بقضاء الله وصابرأ على البلاء ويعلم أنة يختبر ويجازى خيرا على صبره، وأعد الله تعالى لرسوله الكريم رحلة الإسراء والمعراج ليكون فيها عوضأ له عما قاسى، وتعويضاً عما أصابه وليعلمه الله عز وجل، أنه إذا كان قد أعرض عنك أهل الأرض فقد أقبل عليك أهل السماء، إذا كان هؤلاء القوم قد صدّوك فإن الله راضى عنك وإن الأنبياء والرسل يقتدون بك، ويتخذونك إماماً لهم، فكان ذلك عوضأ وتكريماً له من الله عز وجل، وتهيئة له لما هو قادم، 

قال الله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا} حتى يرى آيات الله في هذا الكون وفي السماء.

وقال الله تعالى في سورة النجم: {لقد رأى من آيات ربه الكبرى ما زاغ البصر وما طغى}[ النجم]

أراد الله أن يريه من هذه الآيات الكبرى حتى يقوى قلبه ويصلب عوده، وتشتد إرادته في مواجهة الكفر بأنواعه وضلالاته، كما فعل الله تعالى مع موسى عليه السلام، حينما أراد أن يبعثه إلى فرعون، هذا الطاغية الجبار المتأله في الأرض الذي قال للناس أنا ربكم الأعلى، ما علمت لكم من إله غيري،

عندما أراد الله أن يبعث موسى إلى فرعون، أراه من آياته ليقوى قلبه، فلا يخاف فرعون ولا يتزلزل أمامه، حينما ناجى الله عز وجل،

قال تعالى : {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى. قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى. قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى. فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى. قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى. وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى. لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى}، 

هذا هو السر، لنريك من آياتنا الكبرى، فإذا علمت أنك تركن إلى ركن ركين، وتعتصم بحصن حصين، وتتمسك بحبل متين؛ فلا تخاف عدواً هكذا فعل الله مع موسى، 

وهكذا فعل الله مع محمد ﷺ، أراه من آياته في الأرض ومن آياته في السماء، الآيات الكبرى.


المصادر
نهاية الآرب فى فنون الأدب الجزء السادس عشر
ص296  02-02-6620

الحافظ بن كثير البداية والنهاية
الحافظ بن كثير قصص الأنبياء
عرائس المجالس

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

Start typing and press Enter to search